.... النون🌿
الكاتب_ الشاعر د. ابراهيم المصري 🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿 النون المرققة وورق القراطيس كان الراديو يقف في زاوية الغرفة مثل شاهدٍ صامت على زمنٍ يعرف قيمة الإصغاء. صندوق خشبي صغير، لونه بين البني والغبار، تعلوه هوائيّة مائلة كأنها يدٌ مرفوعة بالدعاء. لم يكن أحد في البيت يهتم به كثيرًا، سوى أنا. كنت أقترب منه كل مساء، أحرّك المؤشّر ببطء، وأتجاوز ضجيج المحطات حتى أستقرّ عند ذلك الصوت الوقور الذي يخرج من إذاعة القرآن الكريم، صوت لا يصرخ ولا يستعجل، لكنه يفرض حضوره كما يفرض الليل سكونه. كنت في المرحلة الإعدادية، ثم لاحقًا في الثانوية، جسد صغير يسكنه فضول أكبر من عمره. في تلك السنوات، لم يكن العلم يأتي إلينا في قوالب براقة، بل في شذرات متناثرة، على من يطلبها أن يلتقطها بنفسه. وكان برنامج الدكتور أحمد عامر واحدًا من تلك الشذرات النادرة. لم أكن أفهم كل ما يقول، لكنني كنت أشعر أن الكلمات تُقال بميزان، وأن للحروف أرواحًا، وأن النطق ليس مجرد صوت، بل أمانة. أتذكر جيدًا تلك الجملة التي كانت تقفز فجأة في رأسي: «يا راجل… النَّ، النَّ.. بتفخيم النون؟! لا، تُنطق بالترقيق» وينطقها النطق الصحيح. ...