....اللحن 🌿
الكاتب_الشاعر أ. عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
اللحن الذي لم يُمنَح تصريحًا
لم تكن حُرّة تعزف العود لتُسمِع أحدًا. كانت تفعل ذلك لأن الصمت، حين يطول، يصبح نوعًا من الكذب.
كانت تعرف أن السلطة لا تنزعج من الأصوات العالية، بل من النغمة التي تظهر وحدها، بلا طلب ولا تفسير. لهذا قبلت أن تُلحِّن لسعيد، الفنان الكفيف. رجل لا يرى، في عالم يفضّل أن يُغلق عينيه. ومع ذلك، كان يسمع بدقةٍ مزعجة.
قال لها أحد المنتجين إن الجمهور لا يثق بما لا يُشاهَد. هزّت رأسها. لم تُجادل. كانت تعرف أن الثقة ليست مسألة بصر، بل مسألة راحة.
في قاعة التسجيل، لم تعمل الكاميرات. لم يكن هناك ما يُوثَّق. لكنهم كانوا كثيرين. دائمًا يكونون كثيرين حين يُولد شيء لا يمكن السيطرة عليه.
في الزاوية، كان رجل يكنس الأرض. يكنسها ببطء، كما لو أن الوقت لا يعنيه. لم يسأل عن شيء. لم يُبدِ اهتمامًا. ومع ذلك، كان حاضرًا أكثر من الجميع.
لم يكن عامل نظافة. كان صحافيًا سابقًا. فقد عمله لأنه كتب ما رآه، لا ما طُلب منه أن يراه. ومنذ ذلك اليوم، تعلّم أن يبقى قريبًا من الأحداث من دون اسم، ومن دون صوت.
اللحن الذي سُجّل لم يكن أغنية. كان تذكيرًا بسيطًا بأن الألم، حين لا يُدوَّن، لا يختفي، بل يتراكم.
عندما اختفى التسجيل، لم تشعر حُرّة بالغضب. سألت نفسها فقط: من الذي شعر بالخوف؟
قال سعيد، وهو جالس في مكانه المعتاد:
— «حين يُسرق صوت، فذلك لأن أحدهم لم يحتمل سماعه.»
واجهت الرجل في الممر. لم تتهمه. لم ترفع صوتها. سألته عمّن كان سيحصل على التسجيل.
قال إن الحقيقة، إن لم تجد من يملكها، تُرمى. فهمت عندها أنه لم يكن لصًّا، بل وسيطًا.
قال إن العمل خطير لأنه لا يصلح للاستخدام. لا يمكن تحويله إلى شعار، ولا إلى خبر عاجل.
قال سعيد بهدوء:
— «لهذا السبب بالذات هو ضروري.»
أعادت حُرّة التسجيل. لكنها هذه المرة تركت فراغًا حيث يجب أن يكون اللحن.
قالت إن الصمت كافٍ لمن يريد أن يسمع.
لم يُنشر التسجيل المسروق. فالأصوات التي لا تُشوَّه تُدفن.
بعد ذلك، صار سعيد معروفًا، من دون صورة. وصارت حُرّة تعزف في أماكن لا تُسجَّل في الخرائط. أما الرجل، فعاد إلى كنس الأرض.
كان يعرف الآن أن من يرى الحقيقة مرة، لا يعود إليها إلا متخفيًا.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق