.... بل يكتبون🌿


 فخامة طاولات الرخام

​كيف أزور تونس ولا أمرّ بمكان عشتُ فيه فصولاً من شبابي الغض؟ أنا الذي عاشرتُ فيه أسياد الأقلام وحفظتُ أروع الأشعار الثورية آنذاك... لبستُ حُلّة المناضل زمناً، حتى نغّص عيشي البوليس السياسي، فخلعتُ رداء تلك الأيام وبدّلته بسعي الكدح والاستقامة، ثم رحلتُ عن البلاد وعن عيون رقابها.

​لم تكن رشفة القهوة في ركن "مقهى الباشا" يوماً مجرّد منبّه لجسدٍ مكدود، بل كانت طقساً لفتح مغاليق الكلام واستدراج البوح.

​في تلك الزاوية العتيقة من أطراف المدينة، كانت طاولات الرخام المستديرة، بقوائمها الحديدية الملتوية على الطراز الباريسي، تحتفظ بآثار فناجين تعاقبت عليها أجيال؛ دوائر بُنّية جفّت كأنها خواتم زمنٍ يأبى الاندثار. على الجدران، تجاورت لوحات زيتية بألوان معتّقة لأزقة تونس وحاراتها مع ملصقات قديمة لمسرحيات الستينيات وصور بالأبيض والأسود لمثقفين ارتدوا "الشاشية" تارة، وربطات العنق الرفيعة تارة أخرى.

​ومع تباشير الفجر الأولى، وقبل أن تكتمل يقظة المدينة، كان للمقهى وجهٌ آخر تفيض به الحياة؛ إذ يتسلل إليه عمّال النوبات الليلية العائدون من سهر الكدح وأفران المعامل، بوجوه لفحها التعب وثياب تحمل عرق الشقاء النبيل. يدخلون بخطى متعبة، يتحلقون حول الرخام لاحتساء رشفات سوداء ثقيلة تُسقط عن جفونهم ذمّة النعاس، وتمنحهم متسعاً لالتقاط الأنفاس قبل أن يأوي كلٌّ منهم إلى فراشه. في الخارج، يصدح صوت بائع "الفطاير" و"الإسفنج" وهو يُلقي بعجينه الذهبي في الزيت المغلي، فيتصاعد عبقٌ دافئ يزاحمه صياح بائع الجرائد الراكض بين الأزقة بحزمة أوراقه الرطبة، منادياً بعناوين الصباح التي كان العمال يتخطفونها لفضولٍ سريع، قبل أن يسلّموها لاحقاً لروّاد الفكر والجدل.

​جلس "السي الصادق"، وهو أستاذ تاريخ متقاعد، يمسك بجريدته الورقية كمن يقبض على حبل نجاةٍ أخير يصله بزمنه الغابر. كان يمرر سبابته على الورق، بينما تسترق عيناه النظر إلى الطاولة المقابلة، حيث تحلّق ثلاثة شبان يحمل أحدهم دفتراً صغيراً تتزاحم فيه السطور المشطوبة. كان أحدهم يلقي قصيدة بصوت خافت يفيض حماساً، يحرّك يديه في الهواء كمن يضبط إيقاع البحر، بينما يرتشف رفيقه من كأس شاي بالنعناع فاح شذاه ليملأ الأرجاء.

​ابتسم السي الصادق في سرّه؛ تذكّر قبل عقود، حين كان هذا المقهى نفسه، كغيره من مقاهي الحاضرة الممتدة من باب سويقة إلى شارع فرنسا، برلماناً شعبياً حقيقياً لا تسعه القيود. في هذا الركن ذاته، صِيغت بيانات سرية، واندلعت سجالات فلسفية حول الوجودية والعدالة، وتولّدت أفكار غيّرت مجرى مقالات صحفية كانت تُكتب على عجل فوق أوراق علب السجائر المهملة. كان المقهى التونسي يجمع التناقضات في مصالحة نادرة: صوت ارتطام أحجار "الدومينو" على الخشب يمتزج بسجال حاد حول حداثة القصيدة، ورائحة ماء الزهر في قهوة الفجر تلتقي مع دخان الأفكار الثائرة في المساء.

​تقدّم "العم حمادي"، النادل الذي أمضى نصف قرن وهو يناور بين المقاعد حاملاً صينيته النحاسية بخفة بهلوان. وضع فنجان القهوة المركّزة أمام السي الصادق وقال بصوت رخيم اعتاده المكان:

— "قهوتك المعتادة يا أستاذ... يبدو أن هؤلاء الشباب يعيدون اليوم تمثيل مسرحيتكم القديمة؟"

​التفت الصادق نحوه، وتلاقت نظراتهما في فهم صامت لماضٍ وحاضر يتشابكان، وأجاب بنبرة دافئة:

 الكاتب _ الاديب أ.عبدالفتاح الطياري 

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

— "بل يكتبون فصلهم الخاص يا حمادي. المقاهي هنا لم تكن يوماً مجرد كراسٍ للجلوس، بل كانت دوماً الرئة التي يتنفس بها الفكر حين تضيق به الأمكنة."

​ارتفعت ضحكة خفيفة من طاولة الشباب، وتلاها تصفيق هادئ مع ختام القصيدة، ليدخلوا فوراً في نقاش محتدم حول الحرية والإنسان. أخذ السي الصادق رشفته الأولى، وشعر بأن هواء المقهى يحمل روح بلادٍ لا تنطفئ حيرتها ولا تجف ينابيعها، ما دام هناك فنجان قهوة يُشعل حديثاً، وطاولة رخام تحتضن شتات الحالمين والكادحين في فضاء حر لا ينتهي.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت