.....رسالة درويش🌿


   الكاتب_ الأديب أ. عبدالفتاح الطياري 

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

رسالة درويش

طوال عشرين عاماً، كان "العروسي" جزءاً ثابتاً من تضاريس الطريق الممتد بين القرية وأطراف السفح النائي. عشرة كيلومترات يذرعها ذهاباً وإياباً، بخطوات رتيبة لا تسرع ولا تبطئ، وثوبٍ بالٍ يحمل رائحة الطين والمطر القديم. كان أهل القرية، بجهلهم المعتاد، يمنحونه لقب "الدرويش" أو "الأبله"، يتحاشون النظر في عينيه، لكنهم يعتادون وقوفه الصامت عند زاوية المخبز، حيث يمد يده دون كلمة ليتلقى كسرة خبز أو شطيرة تسد جوعه، ثم يدير ظهره عائداً إلى كوخه المعزول.

​كم عرض عليه أصحاب العربات الفلاحية والشاحنات حملاً يخفف عنه وعثاء الطريق، فكان يشير بيده إشارة حاسمة تنضح بعزة خفية، الرفض التام. كان يمشي ليفرغ رأسه من ثقل لا يراه أحد، يحمل نظرة نافذة تعرف أهل القرية صغيراً وكبيراً، يعرف خفايا وجوههم وما تخفيه ابتساماتهم، لكنه لا ينبس بحرف، كأنه نذر للصمت عمراً كاملاً.

​وذات شتاء قاسٍ، انقطع ذلك الإيقاع اليومي. لم يظهر على قارعة الطريق، ولم يقف أمام المخبز. تهامس الناس..."لقد مات الأبله في كوخه"، لكن المفاجأة كانت وصول سيارة سوداء فارهة إلى أطراف القرية، ترجل منها رجل أنيق في الأربعينيات من عمره، وقصد الكوخ مباشرة ليقتاد العجوز إلى مصحة متخصصة للأمراض العصبية. ولأول مرة، عرفت القرية أن لذلك الشبح المنعزل ابناً يحمل اسماً ومكانة.

​لم تنتهِ القصة برحيله، بل بدأت فصولها الحقيقية حين تسربت أخباره من أسوار المصحة. لم يكن ذلك العجوز غبياً ولا ناقص عقل كما توهموا؛ كان عالماً وباحثاً مرموقاً في الطب النفسي، كرس حياته لفك شفرات العقول المظلمة ومداواة فاقدي الذاكرة. غاص عميقاً في تيه الآخرين، وامتص مآسيهم وهمومهم لعقود، حتى ابتلعته الهاوية التي كان يحاول إنقاذهم منها، فأصيب بإنهاك معرفي حاد وفقدان جزئي لذاكرته، واختار ذلك المنفى الصامت هروباً من صخب عالم لم يعد يفهمه.

​في أيامه الأخيرة في القرية، وقبل أن يغادرها محمولاً، استعاد وميضاً من حكمته القديمة ونقشها في ذاكرة صاحب المخبز بجملة ظلت تتردد كصوت ناقوس:

"الماء إذا طلع من البئر لازم يتشرب، وإلا غار في التراب وضاع... وما أتعس عقلاً يملك النور ثم يدفن نفسه في العطالة!"

​تحولت دهشة القرية إلى خجل ثقيل؛ فالذي نعتوه بالجنون كان أعقلهم، والذي ظنوه عبئاً كان نبعاً استنزفه العطاء. وباتت كلماته الأخيرة مثلاً سارياً يصفع كل متكاسل يعطل عقله ويهدر طاقته، تذكيراً بأن الفكر كالماء العذب، إن لم يجرِ وينفع الناس، ابتلعه النسيان كأنه لم يكن.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت