....امرأة 🌿


الكاتبة_ الأديبة د. حفيظة مهني

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

 امرأة من جهةِ الصُّدف

بقلم حفيظة مهني

_____________ 


صباح الخير يا امرأة جاءت إلى القلب من جهةِ الصدف، فبدّلت ترتيب الفصول فيه، وعلّقت على نوافذه مصابيح الشوق، وتركت في ممراته شيئاً من عطرها، حتى صار الغياب بعدها مكاناً لا يُحتمل، وصار حضورها، ولو في خاطرة عابرة، أشبه بيدٍ خفية تمسح عن الروح غبار الأيام وتعيد إليها ذلك الارتباك الجميل الذي يسبق اعتراف العاشق حين تضيق به اللغة ولا يجد منفذاً إلى قلب امرأةٍ يسكنها أكثر مما يسكن نفسه.


كان الليل طويلاً، لكنه لم يكن موحشاً؛ كانت صورتكِ تعبر في داخلي مثل نهرٍ يعرف طريقه إلى البحر، تتعثر مرةً في صخرة الذكرى، وتنساب مرةً أخرى بين أعشاب الحنين، ثم تمضي بي إلى تلك المسافة التي لا أعرف أين تبدأ ولا أين تنتهي، المسافة الواقعة بين أن أقول لكِ إنني أشتاق، وبين أن أكتفي بالصمت لأن كلمة الاشتياق تبدو فقيرةً أمام هذا الفيضان الذي يحدث كلما مرّ اسمكِ على قلبي.


أيتها المرأة التي لا أعرف كيف أصفها دون أن أظلمها، كيف يمكن للحروف أن تحمل امرأةً كاملةً بكل هذا الضوء والالتباس؟ كيف أقول إن في عينيكِ شيئاً يشبه الطرق القديمة التي لا نصل إليها إلا بعد أن نتعب من الدوران؟ وكيف أشرح أن ابتسامتكِ ليست مجرد ابتسامة، بل نافذةٌ صغيرة يطل منها الربيع على رجلٍ أمضى زمناً طويلاً وهو يقنع نفسه أن الفصول لا تعنيه؟


أنا لا أحبكِ بالطريقة التي تُقال في العبارات العابرة، ولا أريد أن أضعكِ في جملةٍ محفوظة ثم أتركها للهواء. أنا أحبكِ كما يحب المرء شيئاً نادراً وجده بعد طول فقد؛ يخاف عليه من الكلام، ويحرسه من الضجيج، ويضع يده على قلبه كلما شعر أن المسافة بينه وبينه قد اتسعت.


أحبكِ حين تكونين قريبة، وأحبكِ أكثر حين يأخذكِ الغياب إلى الجهة الأخرى من العالم، لأن الغياب يكشف لنا مقدار الأشياء التي أصبحت جزءًا من أرواحنا دون أن ننتبه.


حين تغيبين، لا يغيب شخصٌ واحد.


تغيب تفاصيل كاملة.


تغيب تلك الرغبة في أن أحكي لكِ عن شيء صغير حدث في يومي، عن أغنية سمعتها مصادفةً فذكرتني بكِ، عن غيمةٍ وقفت طويلاً فوق المدينة، عن كتابٍ تركته مفتوحاً على صفحة لم أفهم لماذا شعرت أنها كتبت من أجلي، عن قهوةٍ بردت لأنني كنت منشغلاً بتخيّل حديثٍ طويل بيني وبينكِ.


يغيب كل ذلك، ويبقى القلب وحده يفتش عن ذريعةٍ كي يذكركِ.


وأحياناً، لا يحتاج إلى ذريعة.


يكفي أن يأتي المساء.


يكفي أن تهدأ الأصوات، وأن تنسحب المدينة قليلاً من ضجيجها، وأن تستلقي العتمة على الأرصفة، حتى تبدأ ذاكرتي في استدعائكِ من أماكن لا أعرفها، فأراكِ في رائحة المطر، وفي ارتجافة الستارة، وفي الضوء المتعب على الجدار، وفي تلك الأغنية التي لا أعرف لماذا تؤلمني كلما سمعتها.


يا امرأة أرهقتني محبتي لها،

كم مرةً حاولت أن أكون عاقاً معكِ، فخذلتني عاطفتي؟ وكم مرةً قلت إنني سأتعلم الصمت، فإذا بي أكتب في داخلي رسائل لا نهاية لها، وأفتح في كل واحدة منها نافذةً نحوكِ، ثم أخاف أن أرسلها، فأعيدها إلى صدري وأقول: ليس الآن.


لكن متى يكون الآن؟


الحب لا ينتظر اكتمال الشروط.


لا يأتي بعد أن نرتب حياتنا ونغلق أبواب الخوف ونطمئن إلى الغد. يأتي فجأةً، كالمطر الذي لا يستأذن السماء، ويتركنا واقفين تحت دهشته، نحاول أن نفهم كيف استطاعت قطرة واحدة أن تبلل كل هذا العمر.


وأنتِ كنتِ قطرةً أولى.


ثم صار المطر أنتِ.


وصرتُ كلما حاولت النجاة منكِ، اكتشفت أنني أهرب إليكِ.


فلا تسأليني لماذا أنتِ،

فبعض الأسئلة حين نبحث لها عن جواب يفسد جمالها.


لماذا البحر بحر؟

ولماذا للقمر هذا الحضور حين يأتي الليل؟

ولماذا يرتجف القلب أمام شخصٍ بعينه بينما يظل هادئاً أمام العالم كله؟


لا أعرف.


أعرف فقط أن شيئاً فيكِ وصل إلى مكانٍ داخلي لم تصل إليه يد، ولم تبلغه سنوات، ولم تستطع كل الحكايات التي سبقتكِ أن تقترب منه.


ولهذا، حين أقول لكِ: أحبكِ،

فأنا لا أعني الكلمة وحدها.


أعني كل ما عجزت الكلمة عن حمله.


أعني خوفي عليكِ، واشتياقي إليكِ، وحرصي على ألا يصيب قلبكِ ما أصاب قلبي من قبل. أعني رغبتي في أن أكون لكِ مكاناً لا تضطرين فيه إلى التظاهر بالقوة، وكتفاً لا يسألكِ لماذا بكيتِ، ورفيقاً يعرف أن بعض الأحزان لا تحتاج إلى حلول، بل تحتاج فقط إلى شخصٍ يجلس بقربها حتى تهدأ.


أعني أنني أريد أن أعرفكِ في أيامكِ كلها؛ في صباحاتكِ المضيئة، وفي مساءاتكِ الثقيلة، في ثرثرتكِ وصمتكِ، في يقينكِ وحيرتكِ، في تلك المرأة التي يراها الجميع، وتلك التي لا يراها أحد.


فالحب الذي أريده معكِ ليس حفلةً من الكلمات.


إنه وطنٌ صغير.


مكانٌ نعود إليه حين يتعب العالم، ونضع فيه أحزاننا جانباً، ونشرب قهوتنا ببطء، ونضحك من الأشياء التي أخافتنا بالأمس، ثم ننظر إلى بعضنا وكأننا نجونا معاً من شيء لا يعرفه سوانا.


صباحكِ حب يا امرأة لا يكفيها الصباح،

وصباحكِ قهوةٌ تفوح منها رائحة الطمأنينة،

وصباحكِ قلبٌ لا يخذله الطريق،

وصباحكِ أمنيةٌ تجد طريقها أخيراً إلى يديكِ.


أما أنا، فسأظل هنا،

أجمع من جهات النهار ما يكفي من الضوء،

وأخبئه لكِ في آخر القلب،

لعلّ المساء حين يأتي

يجدني أقلّ اشتياقاً...


أو أكثر.


فالذي يحب امرأةً مثلكِ

لا يتعلم كيف ينقص حنينه،

بل يتعلم كيف يحمله

دون أن يسقط منه شيء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت