🔷️🔻في حضرة المهابة🔷️🔻
الأديبة هانم عطية الصيرفي
تكتب
🍁🍂🍁🍂🍁🍂🍁
في حضرة المهابة
جلستُ أمام مكتب الوكالة، واضعاً ساقاً فوق ساق، أوقّع على أوراق لا أقرأ بنودها بدقة. بالنسبة لي، لم تكن سوى مغامرة جديدة تُضاف إلى سجلي في تسلق الجبال واقتحام الغابات؛ ومزحة باهظة كلفني بها ذلك العناد الموروث عن والدي، مدرب الأسود الذي لم يعبأ يوماً بمخالب الطبيعة.
لكنّ البرقية التي وصلتني تاليةً حملت طابع الجدية المفرطة:
«أنت المرشح الأول صحياً ونفسياً للرحلة».
وذلك بعد أن خضعتُ لاختبارات نفسية وبدنية من قبل شركة الفضاء، التي كانت قد أعلنت عن حاجتها إلى فنانين تشكيليين للسفر بالمكوك خارج الكرة الأرضية من أجل رسم الفضاء بعيون الفنان والأديب.
لم تكن والدتي ترى في الأمر سوى حماقة مُطبقة. وقفتْ أمام حقيبتي المُجهزة بدموع وعويل، تطعن في قراري وتصرخ في وجه أخواتي اللائي حاولن تهدئتها:
«ألا يرون المجاعات التي تفتك بالأرض؟ أليست البشرية أولى بتلك التكاليف الباهظة التي تُبعثر في الفضاء؟ أين ذهب والدك الذي ربّاك على العبث، ألم يبتلعه الأسد وهو الآن يرقد في جوفه وتركك في عنقي؟! أأتركك أنا أيضاً إلى كفّ العدم؟! إنك مجنون!»
رمقتها بابتسامة وشفقة، وقبّلتُ يدها وانصرفتُ بعجالة وهي تصيح:
«هذا جنون! وأنت إذا وافقتَ مثلهم مجنون، وأخواتك أيضاً».
ولكنني مضيتُ إليهم.. إلى الوكالة.
وخلال الأشهر الستة التالية، أُودعتُ في بيئة محاكاة فضائية معقمة تشبه صمت القبور. تحولت أيامي إلى سلسلة رتيبة من التمارين البدنية، والاختبارات العصبية، والتدرب على التعامل مع أنابيب الأكسجين وشاشات المكوك القاحلة، إلى جانب ترويض ألواني بين أزرق قاتم، ورمادي بارد، وأسود، ومجموعة أخرى من الألوان المدمجة.
وفي صباح السبت الموعود، وقد انشق الفجر عن لونه النحاسي بينما كانت مديرتي تطمئنني من خلف زجاج غرفة التحكم قائلةً إن راداراتهم تراقبني حتى في أقصى المدى. أومأتُ لها بثقة وحزم، وضغطتُ زر الإطلاق.
انفجر المكوك خارج الغلاف الجوي كقذيفة ألقاها الزمن في وجه الفراغ. بينما أنا مغمض العينين أمسك زمام نفسي المتصلبة أخاف أن أفلت من أعصابي، ولكنني كما رُوضتُ على ذلك في المختبر بدأتُ أعود لحالي. لم أدرك الوقت إلا حين بزغت شمس الأرض من علٍ؛ تطلعتُ إلى لوحتي لأخطّ أول ضربة فرشاة، لكن عظمة الكون الهائلة أوقفت يدي معلقة في الهواء لشهور متواصلة. أيّ لغة أرضية هذه التي تملك كفايتها لتسمية ما تعجز عن تسميته كل لغات العالم؟ لقد تاه عقلي في سديم من الفراغ، وعجزتُ عن الوصف.
وبعد شهور، أفاقت حواسي أخيراً وتذكرتُ مهمتي، وأطلقت العنان لفرشاتي، تاركاً للكون يملي عليها أعالي الجمال المقدس. لكن الفرشاة توقفت، وارتدت عن السطح ذعرة وهي تهتف بذهول:
— «مَنْ يتجرأ؟»
وفرّت الألوان على حواف اللوحة، وردّت على وجهي بملامح ساخرة:
— «مجنون... أنت مجنون!»
رفعتُ رأسي مذهولاً، فإذا بصدى تهمة والدتي يتردد في صمت الكابينة الفضائية، متضامناً مع أصداء الفرشاة والألوان. شقّت أحبالي الصوتية ضحكات عميقة ترددت في حضرة المهابة:
— «مرحباً... مرحباً بجنون يليق!»
قلم 🖊 هانم عطية الصيرفي
🍁🍂🍁🍂🍁🍂🍁
تعليقات
إرسال تعليق