... صمت القبور🌿


 الكاتب_الاديب أ. عبدالفتاح الطياري 

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

صمت القبور 

​قصدتُ سفح مقبرة القرية القديمة، حيث تلتقي السكينة بعبق الإكليل والعطرشية ونداوة الثرى الشائح. وقفتُ واضعاً كفي على شاهد القبر، أنفض عنه غباراً خفيفاً، وكان يسود المكان صمتٌ مهيب قبل أن يتهدج صوتي: 

​-السلام عليك يا أبي... السلام عليك يا مسعود. جئتك اليوم أحمل في صدري ثقل قريةٍ بأكملها، هارباً من صخب الأحياء إلى صدق سكونك.

​انساب صوته كحفيف الريح بين أغصان الزيتون، هادئاً دافئاً كعهده، مصحوباً بضحكته المألوفة:

-وعليك السلام ورحمة الله يا بني. ما الذي أثقل خطوك حتى سمعتُ وقع خطاك من وراء الحجب؟ كيف هي القرية؟ وكيف أهلها؟ ألا تزال أبوابهم مشرعة لعابر السبيل وطيبتهم تسبق خطاهم؟ هل ما زال الكرم سيّد المجالس كما تركته؟

​تنهدتُ بحرقة ناظراً نحو الأفق البعيد حيث تتوارى بيوت القرية، وأجبته:

-آه يا أبي... ليتني جئتك بما يسرّك. كل شيء تبدل؛ ملامح الأرض والنفوس على حد سواء. الكرم الذي غرسته نبتة خضراء جفّ في الصدور قبل الأكف، فلم يعد كرم نفوس ولا ستر عيوب. حتى أولئك الذين كانوا يلوذون بظلّك، صاروا أعداءً في الخفاء؛ يبتسمون في الوجوه، فإذا ما أدبر أحدهم رجموا غيبته ونهشوا عرضه كأنه لم يكن يوماً أخاً أو جاراً. ضاعت البركة حين غاب الصدق، وصارت المجالس حلبات للمباهاة والقطيعة.

​سمعتُ حسرته تعتصر نبرته وهو يتمتم:

-يا لخسارة العمر فيمن لا يرعى الذمم... ألهذا الحد ضاقت القلوب واتسعت الأطماع؟ كنا نختلف نهاراً، فإذا جنّ الليل تلاقينا على عتبة المسجد نمسح الضغينة بسلام اليد وصفاء النية." ثم استدرك بحكمة هادئة: "لا تبتئس يا ولدي، إذا فسد الزمان من حولك فكن كما ربيتك؛ احفظ سر الغائب وتجرّد من زينة الغرور، فما ينفع هنا تحت التراب إلا العمل الصالح والذكر الطيب.

​مسحتُ دمعة فرت من عيني وقلت:

-علمتني حياً، وها أنت تذكرني ميتاً أن أنقى ما يملكه المرء هو طهارة قلبه. ثم استدركتُ بغصة: ونسيتُ أن أخبرك... حتى الموتى لم يسلموا من الجفاء؛ انقطعت زيارات القبور لدى كثير من العائلات، وتركوا مدافن أجدادهم تلتهمها الأعشاب البرية والنسيان.

​سرت قشعريرة باردة في المكان، وخيّم على صوته وجوم مفاجئ، كأنما توارى متراجعاً إلى عمق لحده بيأس دفين. وفي لحظته الأخيرة، التفت نحوي بنبرة مرتبكة تشوبها المرارة وقال:

-إذن... أنا فرحٌ ومستريح هنا.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت