... سكون الطمي🌿


   الكاتب_الشاعر أ. أواب الطاهر 

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

سُكون الطمي..

    لماذا كلما تلفتُّ خلفي في هذه المنافي البعيدة أفتش عن سكينةٍ هاربة، أجدني أرتطم تلقائياً بجدار بيتنا؟ ذلك الطين العتيق الذي لا يزال يحرس تفاصيل طفولتي، ويعبق برائحة المطر الأول حين كانت الأرض تشرب غيث السماء بامتنانٍ صادق.نحن الذين نبتنا في تلك الأزقة، لم نتقن يوماً رطانة الشرفات العالية، ولا تعلمنا التحديق في الناس من فوق. بيوتنا كانت مشرعة النوافذ والقلوب، والبلادُ لم تكن مجرد خطوطٍ على خارطة، بل كانت حبل مودةٍ ويداً ممتدة. 

لقمة تُقسم مع العابر، وهموماً تُغسل بابتسامة نقية في المساء لتمحو عناء النهار

واليوم من وراء حدود هذا الاغتراب، أرقبُ كيف يُعاد غزل الوقت هناك على مقاس وجع الناس. ثمة عبث يتسلل في زحمة الأيام ليطيل عمر هذا اللغز الثقيل، محولاً دعة المجالس تحت شجر النيم إلى ترقبٍ مرير. يجلس الواحد منا هنا، منبتاً عن طينه ونيله، يشخص ببصره نحو صور الأبواب الخشبية العتيقة لبيوت الجيران، فيُخيّل إليه أن الخشب ذاته يئن حنيناً لمن عبروا، ومن بقوا يحرسون العتبات الصامتة غُصةً في قلوب البسطاء الذين عاشوا بالبركة واليقين الفطري.هذا الزمان الممطوط بعناد لا يكترث لكم من المصابيح الدافئة انطفأت في البيوت، ولا كم من شيخٍ حُرِم من خطواته الوئيدة نحو صلاة الفجر في المسجد الصغير. فالأيام تمضي باردة، أضيق من أن تتسع لأنينهم، أو لدمعة مشتاق يرى أرضه تُستهلك في معادلة غريبة لا تشبه مروءة أهلها

يا صاحبي ما كان هذا الحبر يوماً شِراكاً لصيد مغنم ولا وقوفاً في حلبة لتصفية حساباتٍ عابرة بل هو انحياز غريزي لملامح وجوهٍ غسلها السعي الصامت قبل أن يبتلع الغبار صفاء النيلين في عيونها.

 وحين تطول المحنة تسقط الخصومات الصغيرة وتتحول إلى ترفٍ لا نملكه لذلك أتشبث بالقلم كمن يمسك بآخر وتدٍ في أرضٍ تميد رمق أخير يأبى أن يرى تضحيات أهلنا وصبرهم الأسطوري يُختزل في أرقام صماء تُتلى على الشاشات، بينما الحقيقة الطاهرة تقف حافية تلتحف الصبر الجميل، وتنتظر أن ينجلي هذا الكابوس عن أزقتنا الطيبة.أكتب ليبقى ملمس ذلك الطين حياً في الوجدان، ولأنني موقنٌ بأن النهر، مهما أثقلوه بالبارود، سيعود يوماً إلى تدفقه الهادئ.

 سيرسب الطمي في القاع ليصنع أرضاً نقيةً بكرًا، تعود إليها الأيادي السُّمر لتبني ما تهدّم، وتزرع الأمل من جديد بعيداً عن عبث العابثين إنها معركة الذاكرة الحية ضد المحو والنسيان فقلمي حاد كالمشرط

يخط الحقيقة بمداد الشجن صائغاً مرايا تعكسُ ما لا يراهُ العابرون.

 هذا مدادي.. نبض ابن البلاد الذي يرفض أن يرى طُهر منبته يُطمس وسط عواصف الوقت المصنوعة.

أواب الطاهر..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت