.... الطفلة🌿
الكاتبة_ الشاعرة أ. عبير جلال
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
الطفلة التي تسكنني،،، الجزء السادس
بعد أن مضى من عمرها خمس سنوات بين المرض والوحدة، بين التيه والرجوع، وبين تمزقٍ نفسي رهيب، حاولت كثيرًا أن تعود إلى نفسها من جديد.
حاولت أن تتعايش مع من حولها، وأن تتغاضى عن تقصيرهم، وأن تتعلم كيف تعيش ما تبقّى من عمرها، رغم كل ما مرّت به.
سافر ابنها الأصغر إلى القاهرة ليلتحق بكلية الألسن، وبالطبع أصبحت فترات وجوده في المنزل متباعدة. وانشغل ابنها الأوسط بعمله وتجهيز مستقبله وشقته، حتى يتم زواجه على خير.
وسافرت ابنتها الوحيدة للعمل في الخارج، وأصبح ابنها الأكبر منشغلًا عنها أكثر وأكثر؛ فقد أصبح لديه أسرته وأولاده وعمله ومسؤولياته.
وفجأة، وجدت الحياة من حولها قد اتسعت، لكنها اتسعت بالفراغ.
أصبحت الحياة فراغًا قاتمًا يكسوه لون السواد.
كان المنفذ الوحيد لها هو زوجها.
شعر بما تمرّ به، فاقترب منها أكثر وأكثر، وحاول دائمًا أن يشغل وقت فراغها بالحديث معها، وبمشاركتها تفاصيل يومه، ومساعدتها في المنزل، خاصة بعدما فقدت القدرة على ترتيب البيت، ولم تعد لديها القابلية أو القدرة على القيام بأي عمل كما كانت من قبل.
كان يعرف أنها لم تعد تلك المرأة التي كانت تستطيع أن تفعل كل شيء دون أن تشكو.
وانخرطت من جديد في عملها، وبدأت تتأقلم مع زملائها ومع المرضى.
لكن نزولها إلى العمل كان حملًا رهيبًا على نفسها.
كانت في الظاهر تضحك، وتتحدث، وتناقش، وتقوم بعملها على أكمل وجه، بينما كانت في الحقيقة تدوس على نفسها، وتبذل جهدًا يفوق طاقتها لتحافظ على تلك الصورة التي يراها الجميع.
كانت تعود إلى بيتها وهي منهكة، ليس جسديًا فقط، ولكن نفسيًا أيضًا.
مرت الأيام، وخرج زوجها من الحياة العملية، وأصبح على المعاش.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح يعيش لها كل أيامه.
أصبحت هي اهتمامه الأول والأخير.
كانت تجلس دائمًا مع نفسها عندما يطلّ الليل، وتنظر إلى السماء من خلف نافذتها، تبحث عن صديقها القمر، لتتحدث معه حديثها الخاص.
كانت تشكو له وحدتها، وعدم قدرتها على التعبير عمّا يجول بداخلها، وكأن القمر كان يبكي لحالها.
عاشت الصبر وتذوقت مرارته في حلقها، فلم يكن لها بديل عنه.
ومنذ بضعة أشهر، ليست بالقليلة، نظرت إلى المرآة قبل ذهابها إلى العمل في الصباح، فرأت طفلتها الصغيرة تطلّ أمامها، وابتسامتها تملأ وجهها، وتقول لها:
«أما آن أن نحكي معًا بعض الحكايات؟»
ابتسمت ابتسامة كلها حزن، ونظرت إليها في صمت، ثم ذهبت إلى عملها.
وأثناء قيامها بمهامها، تذكرت أنها في مراحل مرضها الشديد لم تكن تستطيع أن تمسك القلم وتكتب حرفًا واحدًا؛ فقد فقدت القدرة على الإمساك بالقلم والكتابة.
حتى في عملها، كان زملاؤها يكتبون كثيرًا من الكلمات بدلًا منها، وحتى الآن ما زالت تفقد القدرة على الكتابة باللغة الإنجليزية، وهي من صميم عملها القائم على المصطلحات الطبية باللغة الإنجليزية.
حتى حفظها لكثير من سور القرآن الكريم نسيته.
وحتى عدّ النقود فقدته إلى الآن.
أما العمليات الحسابية، فأصبحت صعبة جدًا بالنسبة إليها.
مرت عليها أيام صعبة جدًا على نفسيتها.
وفي أحد تلك الأيام، حاولت أن تمسك قلمها وتكتب.
استرجعت بعض نصوصها القديمة، وكانت في حالة من الذهول...
كيف يمكن أن تكون هي من كتبت تلك الكلمات التي تلامس شغاف القلب؟
وفي رحلة استرجاع هويتها ونفسها، ومحاولة الرجوع إلى الكلمات، إذا بعروس ابنها تتعرض لوعكة صحية خطيرة جدًا، دخلت على إثرها العناية المركزة، وكان قد مرّ على زواجهما ثلاثة أشهر فقط.
رأت الألم في عينيها، فاعتصر قلبها على وجعها، وتمزق قلبها على بكاء ابنها خوفًا على حبيبته.
كانت فترة صعبة جدًا، شهرًا من أصعب فترات عمرها، تناست فيه ألمها ووحدتها، ونسيت حياتها، وعاشت أوجاع وآلام ابنها وعروسته.
لم تستطع أن تفعل شيئًا.
شعرت أنها مقيّدة بقيود من حديد، عاجزة عن تقديم أي شيء لهما.
وفجأة، سمعت صوت طفلتها يأتي من بعيد، يقول لها:
«اكتبي دعاءً، واطلبي دعوات الناس لتلك العروس الجميلة، لعلّ الله ينعم عليها بالشفاء بدعواتٍ في ظهر الغيب.»
وفعلًا، أمسكت هاتفها، ولأول مرة منذ خمس سنوات، كتبت دعاءً لله تطلب فيه الشفاء لها، وطلبت من الأحباب أن يدعوا لها.
والحمد لله، تم شفاؤها، وعادت لتنير بيتها، وتعيش مع ابنها المخلص لحبها، والمخلص لأمه وأبيه.
ومن هنا، بدأت طفلتها التي تسكنها تشجعها كل يوم على أن تكتب أي شيء.
كل يوم كانت تبتسم وتناديها:
«هيا، فلنحكِ معًا بعض الحكايات.»
بحثت عن قلمها، وأمسكته بقوة وضمّته إلى صدرها، وقبضت عليه كأنها تقبض على روحها، خوفًا من أن يغادرها مرة أخرى.
نظرت إليه وقالت:
«كم أشتاق إلى رقصاتك بين أصابعي...
كم أشتاق إلى نبضك الذي هو نبض قلبي...»
وهتفت طفلتها وقالت:
«هيا اكتبي... هيا احكي...
فأنا في انتظارك منذ زمن بعيد.»
وما زال للحديث بقية...
بقلم عبير جلال
الإسكندرية
٢٤/٨/٢٠٢٦

تعليقات
إرسال تعليق