.... عندما🌿
الكاتب_ الأديب أ.عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
عندما يصرُّ الضمير
كان قرار «ياسين» حاسماً لا رجعة فيه؛ حزم حقيبته القماشية الصغيرة، وجمع بقايا كتبه، وأدار ظهره للمدينة بكل ما فيها من ضجيج، ونفاق اجتماعي، وصراعاتٍ يومية استنزفت روحه لسنوات. استقر في بيتٍ حجري قديم على مشارف قرية جبلية نائية، محاطاً بأشجار السرو والرياح التي لا تهدأ.
أغلق ياسين الباب في وجه العالم، وظن أن السعادة تكمن في معادلة الصفر.
لا علاقات... لا خيبات... لا احتكاك... لا أخطاء... لا بشر... بل سلامٌ داخلي مطلق.
في الأيام الأولى، بدا الأمر كأنه الجنة الموعودة؛ استمتع برشف قهوته الصباحية دون أن يضطر للابتسام مجاملةً لأحد، وتأمل غروب الشمس دون أن يقاطعه رنين هاتف أو رسالة عتاب.
لكن الصمت المطلق كائنٌ ماكر؛ فحين ينقطع الضجيج الخارجي تماماً، ترتفع حدة الأصوات الداخلية لتصبح كقرع الطبول.
في ليلة باردة من ليالي الخريف، بينما كان المطر يضرب النوافذ بإيقاع رتيب، جلس ياسين أمام الموقد يتأمل زوايا الغرفة الفارغة. وفجأة، شعر بوطأة ثقيلة جاثمة على صدره؛ لم تكن وحشة، بل كانت يقظة مباغتة.
«لقد هربت منهم... فهل استطعت أن تهرب من نفسك؟»
انبعث السؤال من أعماقه كشرارة، وبدأت أشرطة الماضي تدور أمام عينيه، ولكن دون تلك المساحيق التجميلية التي طالما غطى بها أفعاله.
تذكر صديقه القديم الذي خذله ولم يعتذر منه بحجة أنه «تعب من الناس».
تذكر رسالة والدته الأخيرة التي تركها معلقة طويلاً بدعوى «البحث عن مساحته الخاصة».
تذكر كل مسؤولية تنصل منها، وكل موقف احتاج فيه أحدهم لكلمة حق، فاختار هو «الصمت الآمن».
أدرك ياسين في تلك اللحظة حقيقة صادمة... لم يكن ابتعاده عن الناس زهداً أو حكمة في كل أوقاته، بل كان في جوهره هروباً من مواجهة أخطائه واستحقاقات ضميره.
وفي ذروة تلك العاصفة، شق سكون الليل صوت ارتطام خفيف قرب سياج البيت الخارجي، تبعه أنين خافت.
تردد ياسين في البداية، وهمس له صوته القديم المعتاد... «أنت هنا لتبقى وحدك... لا تتدخل، فالعالم لم يجلب لك سوى الأذى.»
لكن ضميره الذي استيقظ للتو ولم يعد بالإمكان إسكاته. انتفض بقوة. خرج يقتحم الظلام والمطر، ليجد رجلاً مسناً من رعاة القرية المجاورة قد زلت قدمه في المنحدر الطيني وعلق تحت جذع شجرة مكسور.
لم يفكر ياسين طويلاً؛ رفع الجذع بجهد مضاعف، وسند العجوز إلى داخل البيت الدافئ، ضمّد جرحه، وقدم له حساءً ساخناً، وظل يطمئنه حتى هدأ واستغرق في النوم.
مع شروق شمس اليوم التالي، حين فتح ياسين الباب للرجل ليعود إلى قريته ممتناً بكلمات بسيطة ملأى بالصدق، شعر ياسين بخفة وطمأنينة لم يعهدهما من قبل.
لقد استوعب الدرس أخيراً.
الضمير لا يموت بالانعزال... البعد عن الناس قد يحميك من إساءاتهم، لكنه لا يسقط عنك واجبك تجاه نفسك والآخرين.
العزلة مصفاة وليست قبراً...هي محطة لمراجعة الذات وتهذيبها، لا جدار للاختباء خلفه من التزامات الحياة. راحة الضمير الحقيقية لا تأتي من فراغ موحش، بل من شجاعة العيش بصدق، ووضع حدود صحية، والاعتذار عند الخطأ، ومد اليد حين يستلزم الواجب.
وقف ياسين على عتبة ملجئه الحجري، وألقى نظرة أخيرة على وحشته التي صنعها بيديه. أدرك أن اللوحة التي حاول رسمها في عزلته كانت بلا ضوء يحييها ولا أنس يزكيها. حزم حقيبته من جديد، لكن هذه المرة بروح أخرى؛ أغلق وراءه باب الكهف، ومضى عائداً نحو المدينة، لا ليعيد أخطاء الماضي، بل ليفتح النوافذ التي أوصدها بنفسه، ويصالح ضميره في قلب الحياة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق