.... الطفلة🌿


 الكاتبة_ الشاعرة أ. عبير جلال

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

الطفلة التي تسكنني،،، الجزء الثالث

مرت السنوات بين شدٍّ وجذب، بين أنينٍ مختبئ في صدري، وبين ابتسامةٍ باهتة أُزيّن بها وجهي لتمرّ الأيام. كنت أُمثّل أنني سعيدة، بينما كنت في الحقيقة أتعس مخلوق في الحياة.


لم تكن الحياة رحيمة بي.


وجدت نفسي أتعرض لمعاملة قاسية من إخوتي من أبي، ومن زوجاتهم، بسبب حب أبي لي. كانت الغيرة التي تقتل أي معنى للأخوة، حتى لو كانت الأخوة من العصب.


وعشت حبًا زائفًا من زوجة أبي، أرادت اقتناص حبي لها، والانتقام المبيت من أمي، وحرماني منها.


كانت كلماتهم ومواقفهم القاسية تترك في قلبي أثرًا لا يراه أحد.


كنت أبكي عندما أغلق باب حجرتي، أبكي بكل حرقة.


لقد خدعني أبي، وأوهمني أنني سأعيش معه، وجعلني أترك أمي، لأعيش مع ذئاب بشرية تفترس نفسيتي وحياتي وأحلامي بكل جبروت، ولا مجيب لصرخاتي.


كنت أتعلم يومًا بعد يوم أن الإنسان قد يشعر بالغربة وهو بين أهله، وأن العيش في الأحلام، بعيدًا عن الواقع المرير، يمنح الإنسان الدفعة والصبر ليواصل الحياة حتى يأتي الفرج.


مرت السنوات، وأنهيت دراستي، وكنت أظن أنني على أبواب حياة جديدة، أحمل أحلامًا كثيرة في قلبي، وأتطلع إلى المستقبل بعين فتاة ما زالت تؤمن أن الحياة يمكن أن تمنحها ما تتمناه.


كنت أعود إلى نفسي كلما ضاقت بي الحياة.


أعود إلى تلك الطفلة الصغيرة التي لم تفارقني يومًا، تشاطرني أحزاني وتحلم معي بأجمل الأحلام. كانت تعرف كيف تصنع من الخيال عالمًا خاصًا بي، أجمل من الواقع المرير الذي أعيشه.


ثم جاء الفرج.


طلبني والدي للسفر إلى ليبيا.


هنا، للمرة الأولى، شعرت أن الحياة تبتسم لي، وتفتح لي نافذة أتنفس منها هواءها العليل، وتشرق منها لأول مرة شمس الأمل.


أربع سنوات قضيتها هناك كانت أجمل سنوات عمري.


عشت فيها أيامًا ما زالت تفاصيلها محفورة في ذاكرتي حتى الآن، وضحكات لا تزال تسكن قلبي، أشعر بجمالها حتى اليوم، وأحلامًا بدأت تكبر معي وتتحقق شيئًا فشيئًا.


التحقت بالعمل في مستشفى الزاوية، وبعد ذلك التحقت بالعمل في المدرسة الطبية، وكنت أعمل بعد الدوام مع بعض الأطباء والزملاء، وكانوا خير من رأت عيني.


كانت حياتي رائعة.


هناك تكوّنت شخصيتي، وشعرت باستقلالي، وتعلمت اتخاذ القرارات الصعبة في كثير من الأوقات.


تعاملت مع كثير من الجنسيات، العربية والأجنبية، واكتسبت طرقًا جديدة في التعامل مع البشر.


عرفت متى أصمت، ومتى أتكلم. تعلمت أن أستمع أكثر مما أتكلم. تعلمت أن الحكمة في الهدوء، وأن العصبية غير مرغوب فيها بالمرة.


عرفت كيف أتعلم وأستفيد من التعلم، وتعلمت أن أدوّن كل كبيرة وصغيرة، وألا أسمح بتعدي الحدود معي.


فأنا خط أحمر صعب اجتيازه.


عرفت أن لي حقوقًا يجب أن أحافظ عليها، وأن عليّ أن أحافظ على مظهري وشخصيتي وأخلاقي؛ فأنا سفيرة لبلدي في بلد آخر.


وكنت، في بعض الوقت الذي أقتنصه من زحام الحياة، أجلس لأكتب مع طفلتي التي تسكنني ما أمرّ به، والتطورات التي تتغير في شخصيتي.


كنت أكتب أحلامًا أتمنى أن أصل إليها وأعيشها، لأعوّض ما فاتني، وأداوي الجراح التي كان ينزف بها قلبي طوال الوقت.


ثم دخل الحب حياتي، وتمت خطبتي.


عامان كاملان مرا من الخطوبة وأنا أستعد لحياة جديدة. كنت أكتب أحلامي، وكانت طفلتي تجلس إلى جواري شاهدة عليها، وكنت أُمنّي نفسي بتحقيقها.


حتى جاء اليوم الذي أصبحت فيه زوجة.


سافرت مع زوجي أربعة أشهر لأكمل أوراقي، وأنهي عملي، ثم عدت معه إلى بلدي لنبدأ معًا حياتنا الزوجية من جديد.


كنت أبدأ حياة مختلفة تمامًا عما كنت أتخيله مع طفلتي التي تسكنني.


بيت جديد، ومسؤوليات جديدة، وأحلام امرأة بدأت تكتشف أن الحياة التي تعيشها بعيدة كل البعد عن الأحلام التي تخيلتها، وعن الحكايات التي كانت تكتبها بينها وبين طفلتها.


واكتشفت أن الأحلام وحدها لا تتحقق، وأن تحقيقها يحتاج إلى الصبر والعمل والعطاء.


وبعد عامين ونصف، رُزقت بأول أبنائي.


ابني الكبير...


ذلك الطفل الذي غيّر حياتي، وغيّر شكلها من رتابة إلى إيقاع سريع، وجعل قلبي يعرف الحب بمعنى آخر؛ حبًا لا يشبه أي حب عرفته من قبل.


وبعد أربع سنوات من زواجي، التحقت بالعمل.


التحقت به وأنا حامل في ابنتي.


وهكذا أصبحت زوجة، وأمًا، وموظفة.


وتوالت المسؤوليات، وكبرت الأيام، وأصبحت سنوات سريعة.


ووسط كل ذلك...


كانت طفلتي المختفية ما زالت تعيش معي.


لم تمت، ولم تختفِ حقًا.


كانت تختبئ في داخلي، تراقبني وأنا أقرأ، وتفرح حين أمسك القلم، وتنتظر مني أن أكتب.


كنت أقرأ كثيرًا، وأكتب كثيرًا.


أكتب ما أشعر به، وما أتخيله، وما تعجز الكلمات عن البوح به بصوت مرتفع.


كنت كلما انتهيت من شيء أكتبه، أمزقه، وكأنني أخاف أن يكتشف أحد أن بداخلي امرأة أخرى، غير التي يعرفونها.


كنت أمزق أوراقي، لكنني لم أستطع أن أمزق الأثر الذي كانت تتركه الكلمات في روحي.


كنت أبكي في صمت على مشاعري الممزقة، أبكي بحرقة.


وتوالت السنوات، وجاء أولادي واحدًا تلو الآخر.


وأصبح لكل طفل منهم مكان في قلبي.


كانت طفلتي التي تسكنني تلعب معي عندما ألعب مع أولادي، وأعيش معهم أجمل لحظات حياتي.


إنها البراءة، والحب الصافي، والأحضان الدافئة التي تعوّض ألم السنين.


أصبح لكل منهم مسؤولياته، ولكل مرحلة من العمر متطلباتها.


ركنت أحلامي جانبًا، في جانب مظلم بداخلي.


لم أتخلَّ عنها لأنني لم أعد أحبها، بالعكس... كنت أعشقها، ولكن الحياة كانت دائمًا تناديني بأشياء أخرى أهم.


أولادي كانوا يحتاجونني.


وزوجي كان له حقه.


والبيت كان له حقه.


وأمي وأبي لهما حقهما، والأهل لهم حقهم.


ودراسة الأولاد وتربيتهم ومسؤوليات الحياة أخذت عمري في بحر الحياة الذي لا نهاية له.


اخترت أن أكون أمًا لأولادي بكل طاقتي، بكل صحتي، بكل وقتي، بكل أحلامي، بكل دقيقة أستمتع بها معهم.


وهبتهم روح عبير وحياتها بكل حب وعطاء.


نسيت أنني، منذ سنوات طويلة، كنت أتمنى أن تكون لي حياة خاصة بي، ولو لبعض الدقائق.


كبر أولادي أمام عيني، وكبرت أحلامهم، بينما بقيت أحلامي هادئة، تنام في مكان مظلم بداخلي.


أما طفلتي...


فقد ظلت هناك.


تراقبني عن كثب، ساكنة في أعماقي، صامتة، تنتظر وقت الانطلاق.


تنتظر اليوم الذي أعود فيه إليها...


وتعود هي إليَّ.


وللحديث بقية تأتي،،


بقلم

عبير جلال

الإسكندرية

١٩/٨/٢٠٢٦


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت