.....بين اثواب 🌿


 

  الكاتب_الشاعرة د. حفيظة مهني

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

بَيْنَ أَثْوَابِ الْمَسَاءِ

بقلم د. حفيظة مهني

_______________


بوشوشةِ نبضٍ أفاقَ من سباته، كان الحنينُ يسرّحُ أصابعَهُ في ضفائر الروح، ويهيّئُ للغائبِ موضعًا في صدر المساء... كأنَّ الشوقَ لم يكن نارًا هذه المرّة، بل ماءً دافئًا يتسرّبُ إلى الجهات العطشى، فينبتُ حيث لا ينبغي للربيع أن ينبت...


كان حضورُهُ يجيءُ خفيفًا؛ لا يطرقُ أبواب القلب، بل يجدها مواربةً، كأنها كانت تعرفه قبل أن أعرفه. فإذا جلسَ في ناحيةٍ من حديثي، استراحت الكلمات، وانحنى على حافة الصمت شيءٌ من طمأنينته.


كان يترك في صوتِه متّسعًا لقلبي؛ ذلك الهدوء الذي يسبق الكلام، والنبرة التي لا تقول شيئًا عظيمًا، لكنها تجعل الأشياء أقلَّ ثقلًا... وكنتُ أستبقي من حديثه ما يكفي لنهارٍ طويل؛ أخبّئ نبرته في جيب الروح، وأمضي بها بين مشاغل العمر، فإذا مسّني التعب أخرجتُها، كما تُخرج الأمُّ من ثوبها شيئًا عطّرته برائحة طفلها...


يا لرفق الأشياء حين يكون القلب مأمونًا!


حتى القهوة كانت تستوي على مهل، والنافذة لا تبدو نافذةً، بل فسحةً يتكئ عليها النهار، والليل يفقد شيئًا من وحشته، كأن يدًا خفيةً تربّت على كتفه...


ولم أكن أريد منه كثيرًا؛ كنتُ أريد أن أكون جهةَ راحته حين يتعب، والماء الذي يغسل عن يومه غباره، واليد التي لا تسأله عن ثقل رأسه حين يضعه عليها.


كنتُ أريد أن أضمَّ ما يتعبه في العالم إلى صدري، لا لأحمله عنه، بل لأقول له، دون كلام: ثمة قلبٌ هنا لا يضيق بك...


ثم جاء الغياب...


لم يأتِ كريحٍ تقتلع الأبواب، بل تسلّل كخيطٍ باردٍ في نسيجٍ دافئ، وفكَّ عقدةً بعد عقدة؛ فخفَّ بريق الصباح، وصارت الضحكة تحتاج إلى مناسبة، وصار في اليوم متّسعٌ غريب لا أعرف أين أضعه...


وكلما هممتُ أن أرتّب قلبي بعيدًا عنه، وجدتني أرتّب الأشياء حول فراغه؛ أزيح مقعدًا فأراه، أفتح نافذةً فأشعر به، أقلب صفحةً فتسقط منها نبرةٌ من صوته...


حتى الذكريات لم تعد صورًا؛ صارت كائناتٍ صغيرةً لها أنفاسها، تنام حين أنام، وتوقظني حين يثقل الليل، وتجلس إلى جواري دون أن تطلب شيئًا...


وأعجبُ من قلبي؛ كيف يستطيع أن يحمل كل هذا الحنان ولا ينكسر من امتلائه؟


لقد أحببتُهُ لا كما تُحبُّ الأشياء الجميلة، بل كما تحبُّ الروحُ مأواها حين تعثر عليه مصادفةً بعد طول تيه...


ولهذا لم يكن رحيله اقتلاعًا؛ كان اقتطاعًا هادئًا من نسيجي، ترك في الجسد موضعًا لا ينزف، لكنه لا يلتئم...


ومع ذلك، لا أريد لهذا الحب أن يتحول إلى مرثية.

أريده أن يبقى كما كان؛ نقيًّا، دافئًا، قليل الكلام، ككفٍّ وُضعت ذات مساءٍ على جبينٍ متعب، ثم ارتفعت، لكن الجبين ظلَّ يتذكر موضعها...


سأترك له في داخلي مشكاةً لا تنطفئ؛ لا لأستدعي الغائب، بل لأكرم الدفء الذي مرَّ من هنا.


فثمة أرواحٌ لا يليق بها أن نقول: رحلت...


هي فقط تخلع عن حضورها هيئةَ الجسد، وتقيم فينا بصورةٍ أعمق؛ تسكن في طريقة التفاتنا، وفي رفقنا بمن نحب، وفي اليد التي تمتدُّ إلى المتعبين دون سؤال...


وربما كان أجمل ما يتركه بعض العابرين أن يجعلوا فينا موضعًا لا يعود قاسيًا بعدهم.


حتى إذا أقبل المساء، وأمالت الدنيا رأسها على كتف الليل، وجدتُ شيئًا منه ما زال يربّت على قلبي...


فأهدأ.


وأعودُ إلى المساءِ، وبين جنباتي شيءٌ منه يتنفّس؛ عطرٌ خفيٌّ يذوبُ على أثوابي، ويرخي مفاصلَ الذكرى على وسائدي، ويُشاققُ أحلامي وليلتي... فأظلُّ أُصغي إلى الغياب، كأنَّ البعدَ لم يتعلّم بعدُ كيف يُغيّبه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت