... كما تدين 🌿


  الكاتب_ الشاعر أ. فاطمة فايد

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

كما تَدِينُ... تُدَان

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.

هناك مواقف لا يهزّنا وقعها حين نعيشها، لكننا نفهم معناها الحقيقي عندما يعيدها الزمن إلينا في صورة أخرى. عندها فقط ندرك أن الحياة لا تنسى، وأن ما نزرعه في الأمس، نحصد ثماره اليوم.

أقامت أمي في بيتي خمسة عشر عامًا، وأشهد الله أنني ما ادخرت جهدًا في برِّها وخدمتها، وكنت أرى ذلك واجبًا قبل أن يكون فضلًا. لكنني، رغم كل ذلك، لم أكن ملاكًا؛ فأنا بشر، أخطئ وأصيب، ولي من التقصير ما أرجو أن يغفره الله.

كانت ضغوط الحياة تثقل صدري، ومسؤوليات الأيام تستنزف صبري، فأتعصب أحيانًا على أولادي دون أن أقصد ظلمًا أو قسوة. وفي تلك اللحظات، لم يخطر ببالي أن أمي كانت تراني، وأن قلبها ربما كان يتألم وهي تشاهد ابنتها التي ربتها تتغير ملامحها تحت وطأة التعب.

كانت تصمت...

وكم من صمتٍ يخفي وجعًا لا تبوح به الأمهات.

وتمر الأيام...

وتدعوني ابنتي الكبرى لزيارتها في المدينة الساحلية التي تعيش فيها، لأقضي معها أيامًا هادئة. وفي أحد الأيام تأخر إعداد الطعام، فإذا بها تأتي إليَّ بطبق من الحساء وبعض قطع اللحم، وقالت بحنان: "تناولي هذا حتى يكتمل الغداء، حتى لا تشعري بالجوع."

توقفت أنفاسي للحظة...

لقد كانت تعيد معي المشهد نفسه الذي كنت أفعله مع أمي.

ثم رأيتها بعد ذلك تتعصب على أطفالها من شدة الإرهاق وكثرة المسؤوليات، فشعرت وكأنني أنظر إلى نفسي قبل سنوات.

حينها فقط... فهمت.

فهمت أن أمي لم تكن تحتاج الطعام بقدر ما كانت تحتاج أن تشعر بأن ابنتها مرتاحة، وأنها بخير. فهمت أن نظرة الأم ترى ما لا نقوله، وتشعر بما نخفيه، وتتألم بصمت حتى لا تثقل أبناءها.

جلست أسترجع شريط العمر كله، واستغفرت الله طويلًا، وسألته أن يغفر لي كل لحظة قصّرت فيها، وكل موقف لم أقدّر فيه شعور أمي كما ينبغي.

لقد صدق من قال: كما تدين تُدان.

وليس المقصود العقاب، بل أن يجعل الله الإنسان يرى نفسه في أبنائه، ليعلم أن الإحسان لا يضيع، وأن التقصير أيضًا لا يضيع، فيتعلم قبل أن يلقى الله.

رسالتي إلى كل ابن وكل ابنة: لا تؤجلوا البر إلى الغد، ولا تظنوا أن والديكم يحتاجان إلى المال أو الطعام فقط؛ إنهما يحتاجان إلى كلمة حانية، ووجهٍ بشوش، وصبرٍ جميل، وشعورٍ بأن مكانتهما في قلوبكم لا يزاحمها أحد.

فإذا رحلا... فلن يبقى في الذاكرة إلا ما قدمتموه لهما، وسيبقى سؤال واحد يرافقكم طويلًا: هل كنتُ بارًّا بهما حقًّا... أم كنت أظن أنني كذلك؟

رحم الله أمي، وغفر لها، وجعلها في أعلى جناته، وجبر قلوب كل من فقد أمًّا أو أبًا، ورزقنا برَّهما أحياءً وأمواتًا.

بقلمي ✍🏻

فاطمة فايد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت