.... لا أعرف🌿
الكاتب_ الشاعر أ. فاطمة فايد
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
لا أعرف كيف أسامحك يا أبي...
كلما هممتُ أن أغفر، مددتُ يدي نحو المسامحة، عاد قلبي مثقلًا، واستيقظت في داخلي طفلةٌ لم تكبر يومًا، طفلةٌ ما زالت ترتجف كلما مرَّ طيفك في ذاكرتها.
كيف يُسامح القلب من كان أولَ من كسره؟
كنتُ ابنةً لا تعرف من الدنيا سوى كتابٍ أحمله، وحلمٍ صغيرٍ أخبئه بين دفاتره، وقلبٍ كان يتمنى حضنًا إذا خاف، ويدًا تربت على رأسه إذا بكى. لكنك لم ترَ فيَّ سوى أخطاءٍ تستحق العقاب.
لا تقولوا إن الفقر هو من صنع ذلك. فالفقر قد يُرهق الجسد، لكنه لا ينتزع الرحمة من القلب. أعرف آباءً ناموا جياعًا، لكن أبناءهم شبعوا حبًا واحتواءً. أما أنا... فقد كنت أشبع خوفًا.
كان ذنبي أنني أحببت العلم، وأنني كنت ألوذ بكتبي هربًا من قسوة الحياة. فكان نصيبي الضرب، والتهديد، وكأن الحلم جريمة، وكأن الاجتهاد ذنبٌ لا يُغتفر.
لم تكن تؤلمني قسوة يديك بقدر ما كان يؤلمني أنك أبي... وأن اليد التي كان ينبغي أن تحميني، هي نفسها التي كنت أخشاها.
كبرتُ، لكن الخوف لم يكبر معي... بل سكنني.
حتى بعدما اشتعل الشيب في رأسك، ظل اسمك وحده كافيًا ليزرع الرهبة في قلبي. وما زلتُ، كلما سمعت صوتًا مرتفعًا، أعود تلك الطفلة التي تنتظر العقاب، ولا تعرف لماذا تُعاقب.
وحين ظننت أن العمر سيمنحني حق الاختيار، سلبتني حتى هذا الحق. أجبرتني على الزواج بمن أردت أنت، دون أن تسأل: ماذا تريد ابنتك؟
يومها شعرت أن حياتي ليست لي، وأنني مجرد ظلٍّ يمشي حيث يُؤمر.
لكن الله... الذي يرى ما تخفيه القلوب، كان أرحم بي من الدنيا كلها.
رزقني زوجًا كان عوضًا عن سنين القسوة. رجلًا اجتمعت في قلبه الرحمة والود، أحبني كما كنت أتمنى أن يُحَب الإنسان، واحتضن أبناءه حتى عرفت من خلاله كيف يكون الأب الحقيقي.
كنت كلما رأيته يضم أبناءنا إلى صدره، أبكي في صمت... ليس لأن المشهد أسعدني، بل لأنني أدركت يومها حجم ما حُرمت منه.
ثم... وكعادتها، لم تترك لي الحياة فرحتي كاملة.
رحل هو أيضًا، وتركني أواجه الدنيا وحدي.
سبحان من عوَّضني به، ثم اختاره إليه.
واليوم... لا أحمل في قلبي حقدًا عليك، لكنني أحمل جرحًا لم يلتئم. هناك فرقٌ كبير بين أن تسامح، وأن تنسى... وأنا لم أنسَ.
فبعض الآباء يرحلون فتظل رائحتهم في البيوت، وتبقى دعوات الأبناء تسبق أسماءهم.
وأنت...
رحلت، وما زالت طفلتك تبحث في ذاكرتها عن ذكرى واحدة دافئة، فلا تجد.
وهكذا هي الحياة...
قد ينسى الإنسان كلمات الناس جميعًا، لكنه لا ينسى أبدًا كيف عامله أبوه وهو طفل.
مقتطفات من روايتي "رحيل"
بقلمي✍🏻
فاطمة فايد

تعليقات
إرسال تعليق