.... المعزوفة🌿


 الكاتب_ الشاعر أ. عبد الفتاح الطياري

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

 المعزوفة المكسورة 

​في قرية "ثابت"، حيث تعانق الجبال سحب الضباب وتغفو الأشجار تحت رداءٍ من صمت، كان يعيش "بيرم"، رجلٌ جاوز الستين، نحيل الجسد كغصنٍ يابس، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريقٍ غريب، بريقٍ لا يأتي إلا لمن جالس الموت طويلاً وصادق الحياة في آنٍ واحد.

​كان "بيرم" يعمل في إصلاح الساعات القديمة. لم تكن مهنته مجرد تروسٍ ومسامير، بل كانت فلسفة؛ فهو يرى في كل ساعةٍ مكسورةٍ حياةً تعطل إيقاعها، وإيمانه الراسخ كان يقول: "كما نعتني بتروس الزمن، علينا أن نعتني بتروس القلوب".

​لم تكن حياة بيرم مفروشة بالورد؛ فقد فقدَ زوجته في ربيع عمره، وذاق مرارة الوحدة التي تنهش الروح في ليالي الشتاء الطويلة. لكنه لم يحول معاناته إلى قيد، بل جعلها "مبضعاً". كان يقول لمن يأتي إليه شاكياً بؤسه: "يا بني، المعاناة ليست جداراً يسد الطريق، بل هي النحات الذي يزيل زوائد النفس لنرى الجوهر. لولا الألم، لما عرفنا قيمة اللحظة التي لا ألم فيها".

​ذات يوم، دخل إلى دكانه شابٌ يملؤه الغضب والضغينة، يلقي بساعته على الطاولة بعنف، صارخاً من سوء حظه ومن قسوة الناس. لم يرتجف بيرم، ولم يغضب. نظر إلى الشاب بعينين مليئتين بالسكينة، ثم بدأ بفتح الساعة ببطء. وبينما هو يعمل، روى الشاب مأساة طرده من المعهد رغم تفوقه، واستحضر كلمات والده التي ظلت ترن في أذنه كجرسٍ جنائزي: "يا سيدي، سلمتك ابني ساعةً صالحة، فارتجعتَه لي ساعةً محطمة".

​صمت بيرم للحظة، ثم قال بصوتٍ يملؤه الأسى: "إن العالم يا بني يعج بمديري المعهد الذين يظنون أن تحطيم الساعات هو الطريق الوحيد لضبط الوقت. إنهم يتلذذون بتحطيم الأرواح إرضاءً لدوران البؤس، متناسين أن الساعة المحطمة لا تقيس الوقت، بل تعلن توقفه".

​طوال ساعات العمل، لم يكتفِ بيرم بإصلاح الترس، بل استمع للشاب، وقدم له كوباً من الشاي، وتحدث عن روعة أن نكون "رحماء" في عالمٍ يغرق في قسوته. قال له بهدوء: "إن حسن المعاملة ليس ضعفاً، بل هو أقوى أسلحة المتمسكين بالحياة. من يعامل الناس برفق، هو في الحقيقة يرمم روحه قبل روحهم، ويحمي نفسه من أن يصبح ترساً في آلة تحطيم الآخرين".

​خرج الشاب من الدكان وقد هدأت ثورته، ليس لأن ساعته أُصلحت فحسب، بل لأن "وقته الداخلي" قد أُعيد ضبطه، وأدرك أن صلاح المرء لا يقاس بقرارات الآخرين، بل بمدى صموده في وجه ما يحاول كسر عقاربه.

​في خريف عمره، سُئل بيرم: "لماذا تحب الحياة وهي لم تعطك إلا الفقد؟". نظر إلى النافذة، حيث تتساقط أوراق الشجر لتفسح المجال لغيرها، وأجاب: "حب الحياة لا يعني أن تعيش في رغدٍ دائم، بل يعني أن تتقبل اللحن كما هو؛ بصخبه وهدوئه. أنا أحب الحياة لأنني جزءٌ من هذه المعزوفة، ولأنني أدركت أن جمال الوجود لا يكمن في طول الأيام، بل في عمق الأثر الذي نتركه من خلال لين الجانب ونبل المعاملة".

​رحل بيرم عن عالمنا، وأُغلق دكانه الصغير الذي كان يفوح برائحة الزيت والسكينة. أخذ معه أسرار التروس وفلسفة الجبر، تاركاً خلفه قريةً تزدحم بساعاتٍ لا تزال تدق، لكنها فقدت "نبضها" الحقيقي.

​لم يمت "مديرو المعاهد" بموته، بل تكاثروا كأنهم وباءٌ لا يهدأ. لا يزالون، حتى يومنا هذا، يتفننون في إلقاء الساعات الصالحة على طاولات الجلادين، لا لشيء إلا إرضاءً لآلةٍ خفية تدير دنيانا، وتتغذى على كسر اليقين في عيون الطامحين.

​خرج الشاب، الذي كان يوماً ما "ساعةً مكسورة"، ليصبح هو نفسه جزءاً من هذه الدورة. وقف يوماً ما، وبيده قلمٌ أحمر وقرارٌ تعسفي، أمام طالبٍ يرتجف، هامساً لنفسه ببرودٍ لا يُشبه رفق بيرم: "هكذا يسير الزمن، هكذا يُضبط الترس؛ البعض يجب أن يُكسر لكي يظل النظام قائماً".

​وهكذا، تستمر المعزوفة؛ ساعاتٌ تُكسر في أروقة المعاهد، وساعاتٌ تُنتهك في دهاليز الحياة، بينما يظل السؤال معلقاً في هواء القرية الساكن: كم من "بيرم" نحتاج في هذا العالم لنوقف تكرار هذه الجريمة، أم أننا محكومون بأن نظل جميعاً -بطريقةٍ أو بأخرى- مجرد تروسٍ في ساعةٍ لا تتوقف عن سحق مَن فيها؟

​نهاية النص الأول.. تتبعها معازف أخرى.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت