... رسالة🌿


   الكاتبة_ الشاعرة أ. عبير جلال

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

رسالة من قلبي إلى قلمي

بعد رحلةٍ طويلة مع المرض، نسيت فيها كل أحلامي، وتحطمت كل آمالي، كان لي صديقٌ وحيد، أشعر بقربه مني رغم ابتعادي عنه، ورغم نسياني لأجمل أوقاتنا وذكرياتنا معًا.

وحين عادت إليَّ الحياة، بعد شهور، بل سنواتٍ طويلة، كانت أشبه بغيبوبةٍ سرقت مني روحي، فقدت خلالها القدرة على التواصل والتركيز، وفقدت معها شغفي بالحياة، حتى أصبحت إنسانةً بلا روح.

واليوم... بعدما بدأت روحي تعود إليَّ من جديد، تذكرت صديقي الوفي.

ذهبت إليه لألقي عليه التحية بعد سنواتٍ من الهجر، فإذا به ما زال في مكانه، ينتظرني بصبر المحب الذي لا يعرف اليأس.

إنه... قلمي.

ذلك الصديق الذي لم يخذلني يومًا، ولم يسألني عن سبب غيابي، ولم يعاتبني حين تركته وحيدًا فوق الطاولة، تحيط به طبقات الغبار، وتنام بجواره الأوراق المهملة.

وحين احتضنته بين أناملي، شعرت بدقات قلبي تتسارع فرحًا، وكأنه هو الآخر كان ينتظر لحظة اللقاء. أحسست به يتراقص بين أصابعي بخفته المعهودة، وكأنه يهمس لي:

"أخيرًا... عدتِ."

آه يا صديقي...

كم اشتقت إليك.

وكم اشتقت إلى عناقك بعد طول غياب.

يا صديقي...

لقد تحملت في فترة غيابك عني ما أثقل روحي من صمت، كاد أن يطفئ نور الحياة بداخلي.

لا تظن أنني هجرتك...

فأنا لم أهجر الكتابة يومًا، وإنما فقدت القدرة على التعبير والبوح بما يختلج في نفسي.

كانت الكلمات تسكن صدري، لكنها لم تجد طريقها إلى النور. كانت تختنق بداخلي، حتى عجزت عن الإمساك بها.

كم مرة مررت بجوارك، ونظرت إليك طويلًا، ثم أدرت وجهي ورحلت، وكأن بيننا عتابًا لا أملك له اعتذارًا.

كنت أراك ساكنًا في مكانك، لكنني كنت أشعر بنظراتك تلاحقني في صمت، وكأنك تهمس لي:

أما آن لك أن تعودي؟

أما اشتقتِ إلى رائحة الحبر والأوراق، وإلى رقص الحروف وهي تولد بين أناملك؟

أما اشتقتِ إلى تلك اللحظة التي كان فيها القلم يسبق دموعك، فيكتب ما يعجز اللسان عن البوح به؟

أغمضت عيني برهة، وضغطت عليه بين أصابعي، وكأنني أخشى أن يفلت مني مرة أخرى.

همست بصوتٍ مرتجف:

بل اشتقت إليك يا صديقي... أكثر مما اشتقت إلى نفسي.

لقد كنت أسيرة معركةٍ لم أخترها.

كنت أستيقظ كل صباح بجسدٍ منهك، وروحٍ فقدت معنى الفرح، وعقلٍ يرفض أن يتذكر حتى أجمل الذكريات.

لم أتركك لأنني نسيتك...

بل لأنني نسيت نفسي.

تنهدت، وأطلقت زفرةً طويلة من أعماق صدري، وساد بيننا صمتٌ ثقيل...

صمتٌ لم يقطعه إلا صوت قلمي، وكأنه يربت على قلبي قائلًا:

كنت أعلم...

كنت أعلم أن الغياب لم يكن بإرادتك، وأن المرض حين يسكن الروح، لا يسرق الصحة وحدها، بل يسرق الأحلام، ويطفئ الشغف، ويجعل الأيام ثقيلة كالجبال.

لهذا لم أغضب منك يومًا...

كنت أنتظرك.

وكنت على يقين أنك ستعودين، ولو بعد حين.

كل يوم كنت أنظر إلى الباب، وأنتظر أن تمتد إليَّ يدك كما كانت تفعل من قبل.

كانت الأوراق من حولي يكسوها الغبار، لكن أملي لم تغطه الأيام.

كنت أعلم أن صاحبة هذه الحروف لا يمكن أن تهزمها الحياة إلى الأبد.

انهمرت دموعي دون أن أشعر.

كم هو مؤلم أن تجد من يغفر لك غيابك، قبل أن تغفره أنت لنفسك.

قلت له وأنا أمسح دموعي:

هل ما زلت تثق بي؟

ابتسم القلم في خيالي وقال:

أنا لم أثق في كلماتك يومًا...

بل وثقت بقلبك.

فالكلمات قد تتعثر، وقد تغيب، وقد تعجز عن التعبير، أما القلب الصادق فلا يموت.

أتذكرين كم من قلبٍ داويتِه بكلمة؟

وكم من عينٍ أبكيتِها بنص؟

وكم من روحٍ ابتسمت لأنها وجدت الأمل بين سطورك؟

ألم تكوني تقولين دائمًا إن الكلمة النابعة من قلبٍ صادق تعيش أكثر من صاحبها؟

فلماذا فقدتِ إيمانك بما كنت تؤمنين به؟

أطرقت برأسي خجلًا، وقلت:

نعم...

لقد فقدت إيماني بكل شيء...

حتى بنفسي.

فقال لي:

إذن ابدئي من جديد...

ولا تحاولي أن تكتبي أجمل نص...

اكتبي أصدق نص.

اكتبي عن وجعك، وعن خوفك، وعن سقوطك، وعن تلك السنوات التي سرقها منك المرض.

ثم اكتبي عن المرأة التي نهضت بعد كل ذلك، وما زالت تؤمن بأن للحياة فرصةً أخرى.

أمسكت قلمي، ووضعته فوق ورقةٍ بيضاء.

نظرت إليه طويلًا...

ثم ابتسمت.

وضعت سن القلم على الورقة، وشعرت بنبض قلبي يسابق الحروف.

وفي تلك اللحظة...

أدركت أنني لم أكن أكتب بقلمي...

بل كنت أكتب عودتي إلى الحياة.

وخط قلمي أولى كلماته بعد غيابٍ طويل:

"الحمد لله... ما زلت أستطيع أن أحلم."

عندها أيقنت أن الأحلام لا تموت، وإن طال سباتها، وأن الكلمات الصادقة تعرف دائمًا طريقها إلى أصحابها، مهما باعدت بينهم الأيام.

فما أجمل أن يسترد الإنسان روحه...

وما أجمل أن يجد قلمه ما زال ينتظره، ليبدأ معه من جديد... رحلةً جديدة، وحلمًا جديدًا.

بقلم،،عبير جلال ،،الإسكندرية

٢٣يوليو٢٠٢٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت