.. نادي الخونة🌿
الكاتب_ الاديب أ.عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
نادي الخونة
في مدينةٍ لا تُرى إلا عبر انعكاساتها، تأسس نادٍ غريب الأطوار يُدعى "نادي المرايا". لم يكن للعضوية فيه شروطٌ واضحة، سوى أن يمتلك العضو مهارة فائقة في تغيير وجهه وفقاً للمكان الذي يتواجد فيه. كان أعضاؤه يتنقلون كالفراشات، لكنهم بدلاً من رحيق الزهور، كانوا يمتصون رحيق المصالح من كل مكانٍ يحطون فيه.
كان بطلنا، "عقرب بن غدر"، يظن أنه أذكى أعضاء النادي. كان يملك خزانة من الأقنعة: قناع الناصح، قناع الخبير، وقناع الصديق الصدوق. لكنه ذات يوم، حين أراد خلع قناع الخبير أمام المرآة، كانت الصدمة: القناع لم يعد يخرج! لقد التحم بجلده، فصار لا يعرف إن كان هو من يرتدي القناع، أم أن القناع هو الذي صار يحدد ملامحه.
في ليلةٍ من ليالي الصيف الخانقة، دُعي أعضاء النادي إلى قبوٍ قديم لتقييم إنجازاتهم، وكان كل عضوٍ يحمل في حقيبته أقنعةً إضافية. بدأ الاجتماع بمسرحيةٍ هزلية؛ الجميع يبتسم، والجميع يطعن في الظهر. قال "ثعلوب"، وهو أكثرهم مراوغة: "لماذا نجتمع؟ نحن لسنا أصدقاء، نحن شركاء في التخفي". ضحك عقرب بخبث، فهو يعلم أن ثعلوب قد باع عنوان القبو للشرطة قبل دقائق، بينما كان هو نفسه قد وضع في قهوة الجميع مادةً تجعلهم يتحدثون بالحقيقة لثلاث دقائق فقط.
فجأةً، وبفعل المادة، ساد صمتٌ رهيب في القبو، وبدأت الحقيقة تخرج كقذائف من الأفواه:
"أنا أكرهك لأنك تذكرني بجبني!"
"أنا لا أثق بك لأنك خنتني بالأمس!"
"أنا أرتدي هذا القناع لأني لا أملك وجهاً حقيقياً أواجه به العالم!"
لم تكن حقيقةً تطهرهم، بل كانت حقيقةً حطمت "خارطة الزجاج" التي يعيشون فيها. انهار النادي؛ إذ لم تعد الأقنعة تخفي شيئاً، وانعكست المرايا التي كانت في القبو على وجوههم العارية، فبدت ملامحهم باهتة، بلا أثر، وبلا معدنٍ حقيقي.
في الخارج، كانت هناك "بومةٌ" حكيمة ترفض الدخول إلى القبو. كانت تقف على عتبة الباب، تراقب هذا الانهيار بعينين لا تغفلان عن حقيقة الأشياء. لم تكن تبحث عن الأقنعة، بل كانت تبحث عن المعدن الخفي الذي يتركه الإنسان حين ينزع كل شيء. أدركت البومة أن ثبات الموقف ليس في كسر المرايا، بل في امتلاك وجهٍ واحد، حتى لو كان وجهاً متعباً من عواصف الحياة.
غادر الجميع القبو هاربين كلٌّ إلى حياته الزائفة، وانهار النادي قبل أن يبدأ، فالخيانة قاعدةٌ لا تصلح لبناء أي شيء.
إن النادي الذي يجمع الخونة هو المكان الوحيد الذي لا تجد فيه من يمسك لك معطفك بينما تغسل يديك. أما البومة، فقد حلقت بعيداً تاركةً خلفها القبو محطماً، لكنها حملت معها شيئاً لم يستطع أحدٌ غيرها رؤيته؛ المعدن النفيس الذي صاغته من حطام أقنعتهم.. "الثبات و الصدق".
بقلمي: عبدالفتاح الطياري - تونس

تعليقات
إرسال تعليق