.... الدواعج 🌿


 

  الكاتبة المتألقة _ د. حفيظة مهني

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

الدَّوَاعِجُ

بقلم: د / حفيظة مهني

كيف لذاكرتي أن تحبلَ بكلِّ هذا الوجع...؟!

ولم يمسسها فقدٌ، (ولم تكن يومًا بغيًّا)...

فمن أين جاء هذا المخاضُ الذي يذبح القلب؟


أحملُ على كتفي ليلًا مثقَلًا بما لا يُقال، ينكسر على بطء خطاي كأنه يرفض أن يكتمل، ويذبحني كلما تذكّر الدفءَ ثم عجز عن بلوغه.


أمضي وفي صدري نبضٌ يتفتّت عند أول محاولةٍ للنجاة، كطفلٍ أضاع حضنًا وظلّ يبحث عنه في كل الجهات، ولا يعرف أن الطريق إليه انطفأ.


كلُّ شيءٍ يفضحني؛ رائحةُ القهوة، ارتعاشةُ النافذة، وشالُ الليلِ الملقى على كتفي المدينة. كأنها تمرُّ من هنا كلَّ مساء، تتركُ عطرًا يتدلَّى من أغصانِ الوقت، ثم تمضي تاركةً روحي تتعثّرُ بخطواتها.


أبحثُ عنها بين تفاصيل الأشياء؛ في ارتجافِ اللهب حين يلامسُ الفتيل، وفي بخارِ الفنجان حين يصعدُ كسؤالٍ بلا جواب. كلما حسبتُ أنني أفلتُّ من سطوة حضورها، وجدتها تنبتُ في صدري كشجرةٍ تعرفُ طريقَ الماء ولو حاصرها الجفاف.


كانت إذا اقتربت، ضاق الكونُ حتى لا يتّسع إلا لعينيها، وإذا ابتعدت، اتّسع الفراغُ حتى صار وطنًا من الصقيع. ما أعجبها... تجعلُ الانتظارَ صلاةً، والحنينَ عقوبةً، والذكرى خبزًا أتقاسمه مع جوعي كلَّ ليلة.


أرتبُ الكلماتِ لأكتبها، فتبعثرني قبل أن يكتمل السطر. أضمُّ أوراقي كمن يضمُّ جرحًا يخشى عليه من الهواء، وأداري ارتباكي بابتسامةٍ يعرفُ القلبُ أنها مهزومة. كلُّ الطرقِ إليها طويلة، وكلُّ المسافاتِ عنها أقصرُ من دمعةٍ تسقطُ دون استئذان.


أحيانًا أظنُّ أنني نسيتها، ثم يمرُّ طيفٌ يشبهها، فتثورُ في دمي مواسمَ كاملة.


وذاتَ صمتٍ، خُيِّل إليَّ أن الدنيا قد أطفأت قناديلها جميعًا، وأن الطرقاتِ تساوت في عيني حتى لم أعد أميِّز بين الضوء والظل. غير أن شيئًا واحدًا ظلَّ يقودني إليها... نبضةٌ خفيَّةٌ تعرف دروبها دون دليل، وتمضي بي حيث يعجز البصر عن الوصول. أدركتُ يومها أن للعاشق قلبًا يستعير من الشوق عينين، وأن ما يسكن الروح لا تُطفئه العتمة، ولا تحجبه ستائر الزمن. خلتُ أن النهار قد نسي اسمي، غير أن قلبي كان يسبق خطاي إليها، كأن الشوق أهداه عينين لا تنطفئان. يمضي مطمئنًا حيث يتردد البصر، ويهتدي إليها كما يهتدي الدعاء إلى السماء. عندها أيقنتُ أن الأرواح لا تستأذن الضوء لتبصر، وأن للحب نورًا، كلما خبت قناديل الدنيا ازداد في الداخل اشتعالًا.


يعودُ الياسمينُ إلى نافذتي، ويعودُ الوجعُ إلى مقعده القديم، ويعودُ قلبي طفلًا يمدُّ يديه نحو المستحيل.


أحادثُ الليلَ عنها حتى يكلَّ السهرُ من الإصغاء، وأساومُ الصبرَ على بقيةِ العمر، فيخذلني. أحملُ اسمي وأمضي، لكنها تحملُ روحي حيث تشاء، كأنني خُلقتُ لأكون أسيرَ هذا الوله الجميل.


وفي آخرِ الليل، حين يهدأ كلُّ شيء، أكتشفُ أنني لم أكن أفتشُ عنها بقدرِ ما كنتُ أفتشُ عن نفسي فيها. وأن الحبَّ الذي ظننته سيكبرُ يومًا، ظلَّ معلّقًا في مهده، يفتحُ عينيه على الأحلام، ويغلقهما على الفقد... حبًّا لم يكتمل، لكنه ظلَّ ينبضُ في القلب كأنه الوعدُ الأخير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت