....الرجل🌿
الكاتبة_ الأديبة أ.عبير جلال
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
الرجل الذي أعادني إلى الحياة
كثيرًا ما سكن المرض جسدي في محطاتٍ متفرقة من حياتي.
وكان دخولي إلى الرعاية المركزة يتكرر أكثر مما ينبغي، حتى أصبحت رائحة المستشفيات، وأصوات الأجهزة، ووجوه الأطباء، جزءًا من تفاصيل أيامي.
عشت سنوات طويلة أتأرجح بين الصحة والمرض، وكانت ضريبة ذلك أن مرّ شبابي دون أن أعيش جماله كما تمنيت. كنت أرى العمر يمضي من نافذة غرف المرض، بينما كنت أحلم فقط أن أعيش يومًا عاديًا، لا أكثر.
لكن... كل تلك الأمراض، على قسوتها، لم تكن إلا مقدمات.
أما هذه المرة، فلم يكن المرض مجرد ألم يسكن جسدي...
كان زلزالًا هدم حياتي كلها.
في لحظة واحدة، تحولت أحلامي وآمالي إلى ركام،
إلى اطلال،و دون سابق إنذار
، ودون أي مقدمات تنبئ بما هو قادم.
استيقظت ذات صباح، صباحٍ عادي يشبه كل صباح
كنت أستعد فيه للذهاب إلى عملي.
وقفت أمام المرآة...
نظرت إلى المرأة التي أمامي طويلًا...
كانت ملامحها ملامحي...
لكنها لم تكن أنا.
كانت عيناي تحملان شيئًا لم أعرفه من قبل، وسكنت وجهي كآبة لم أعرف لها سببًا، واختفى ذلك البريق
الذي طالما أحببته في نفسي.
في تلك اللحظة، شعرت أن روحي قد غادرتني، وأن قلبي لم يعد يعرف طريقه إلى الفرح، ولا حتى إلى الرغبة في الحياة.
وفجأة...
أظلمت الدنيا.
لم تعد الأصوات تصل إليّ كما كانت، ولم تعد الألوان كما عرفتها، وكأن ستارًا كثيفًا من الضباب هبط بيني وبين العالم.
دخلت نفقًا طويلًا، بلا نهاية...
حتى نسيت شكل الضوء.
كان الاكتئاب يلتهم روحي ببطء، يومًا بعد يوم، دون رحمة.
سرق مني ضحكتي...
وسرق أحلامي...
وسرق قدرتي على الاستمتاع بأبسط تفاصيل الحياة.
حتى ذاكرتي...
لم تسلم منه.
كان يسرق مني شيئًا جديدًا كل يوم.
مرةً يسرق رغبتي في الكلام...
ومرةً يسرق شهيتي للحياة...
ومرةً يسرق قدرتي على الابتسام.
حتى الأشياء التي كنت أعشقها،
أصبحت أنظر إليها بلا إحساس.
لم أعد أفرح بشروق الشمس، ولا يشدني صفاء السماء،
ولا يطربني صوت العصافير
الذي كنت أستقبله كل صباح بشغف.
كنت أشعر وكأن ستارًا أسود قد أُسدل على روحي،
فعزلني عن كل ما هو جميل.
لم يعد داخلي يتسع إلا للصمت...
والخوف...
والبكاء.
كانت أيام تمرّ وأنا أجلس بالساعات أحدق في الجدران، أتأمل الفراغ، عاجزة عن التفكير، وكأن عقلي، الذي كان يومًا لا يعرف الكسل، قد توقف عن العمل تمامًا.
كان يعمل من قبل كخلية نحل لا تهدأ، فإذا به يصبح صحراء صامتة، لا فكرة فيها، ولا رغبة، ولا حياة.
لم يعد هناك فرق بين صباح ومساء.
إشراقة الشمس كانت كغروبها تمامًا.
النهار والليل سواء.
الأيام تتشابه، والساعات تمر بلا معنى.
كنت أبكي كثيرًا...
وأنام كثيرًا...
وأهرب كثيرًا...
وكأن النوم أصبح طريقتي الوحيدة للهروب من الحياة.
وجوه كثيرة كانت تمر أمامي...
لكنها بلا أسماء.
وذكريات عشتها سنوات طويلة...
اختفت وكأنها لم تكن.
كنت أبحث في رأسي عن أسماء أحبائي، فلا أجدها.
أتحدث مع أحدهم، ثم بعد دقائق لا أتذكر اسمه، ولا حديثه، ولا حتى سبب وجوده أمامي.
وكأن المرض قد مرّ على ذاكرتي، فاقتلع منها كل شيء.
أصبحت أخاف من نفسي...
وأخاف ممن حولي...
وأخاف من الغد...
وأخاف من الحياة كلها.
صرت غريبة عن العالم...
وغريبة حتى عن نفسي.
وفقدت، مع مرور الأيام، القدرة على التعبير عن ألمي.
حتى الكلمات التي طالما كانت صديقتي، هجرتني.
وأنا التي كنت أكتب لأتنفس...
عجزت عن كتابة سطر واحد.
وفي تلك الرحلة القاسية...
اكتشفت حقيقة البشر.
هناك من كان يملأ الدنيا حديثًا عن الحب والوفاء،
لكنه اختفى في صمت، وكأن الأرض ابتلعته.
وهناك من وعدني بأنه لن يتركني، فلم يحتمل رؤية ضعفي، ورحل قبل أن أطلب منه الرحيل.
وأصدقاء كانوا يملأون بيتي ضحكًا وحديثًا،
أصبح الصمت هو كل ما بقي منهم.
وأقارب طالما وجدوا في بيتي الحب والكرم والدفء، اكتفوا بسؤالٍ عابر، ثم مضوا إلى حياتهم، وكأن شيئًا لم يحدث.
كنت أظن أن البيوت التي فتحت أبوابها بالمحبة،
ستجد من يطرق بابها وقت الوجع...
لكنني كنت مخطئة.
عندها فقط...
فهمت أن الإنسان لا يعرف حقيقة من حوله في أيام القوة
، بل في أيام الانكسار.
حين تسقط...
تسقط معك الأقنعة.
ويرحل الوهم الذي كنت تعيش فيه.
وتنكشف الوجوه على حقيقتها.
وعرفت أن الشدائد لا تكشف قسوة الأيام فحسب...
بل تكشف معادن القلوب.
كنت أشعر أنني أغرق...
أمد يدي، فلا أجد إلا الماء يحيط بي من كل جانب.
كلما حاولت أن أتنفس، ابتلعني الموج أكثر.
كنت ألوح بيدي طلبًا للنجاة، لكن لم يكن أحد يرى استغاثتي، لأن الغرق الحقيقي لا يُرى بالعين...
بل يُرى بالقلب.
كنت أصرخ من داخلي...
بينما كان كل من حولي يظن أنني بخير.
كانت الحياة تنسحب من بين يدي ببطء
، وأنا أعجز حتى عن مقاومة الغرق.
ولأول مرة في حياتي...
اعترفت لنفسي أنني لم أعد أملك القوة لأقاوم وحدي.
كنت أغرق...
ببطء...
في صمت...
وكل ما حولي يبتعد عني شيئًا فشيئًا.
حتى أيقنت أنني إذا لم تمتد إليّ يدٌ تنتشلني
، فسأضيع إلى الأبد.
وفي اللحظة التي ظننت فيها أنني وصلت إلى آخر الطريق...
... أرسل الله إليّ اليد التي لم تتركني حتى اليوم.
وبين الأمواج العاتية، والبحر الهائج،
والظلام الذي أحاط بي من كل جانب...
كان هناك رجل واحد...
مد يده لينتشلني من الغرق.
كان زوجي.
الرجل الذي لم يغادر حياتي يومًا،
ولم يتركني لحظة أواجه ألمي وحدي.
رغم مسؤولياته الكثيرة، ورغم أعباء عمله، ورغم انشغاله بأولادنا وبيتنا، كان حاضرًا دائمًا.
وكأن الله اختاره ليكون الرحمة التي أرسلها إليّ
في أشد أيام عمري قسوة.
كان يراني وأنا أنهار...
فيتماسك من أجلي.
ويخفي خوفه حتى يمنحني الطمأنينة.
ويرسم على وجهه ابتسامة
، بينما كان قلبه يرتجف خوفًا عليّ.
كان يراقب أنفاسي...
ملامحي...
صمتي...
ارتجافة يدي...
ونظرة عيني...
وكأن حياته كلها معلقة بابتسامة تعود إلى وجهي.
لم أشعر معه يومًا أنني أصبحت عبئًا.
ولم أسمعه يومًا يتذمر من طول الطريق.
ولم يُشعرني، ولو بنظرة عابرة، أنه تعب من مرافقة مرضي.
بل كان يحتويني في اللحظة التي أعجز فيها عن احتمال نفسي.
ويحبني في الوقت الذي عجزت فيه عن حب الحياة.
كان يجلس إلى جواري ساعات طويلة، يحدثني عن أيام نسيتها، ويعيد إليّ تفاصيل سرقها المرض من ذاكرتي.
يحكي لي عن رحلة، أو موقف، أو ضحكة جمعتنا، وكأنه يجمع حبات عقدٍ انفرطت، ويحاول أن يعيدها إلى مكانها من جديد.
وحين عجزت قدماي عن الوقوف...
كان هو سندي.
وحين استسلمت روحي للظلام...
كان يقاتل نيابة عني.
وحين كنت أرى النهاية تقترب كل يوم...
كان يرى بداية جديدة، ويزرعها في قلبي،
حتى وأنا عاجزة عن تصديقها.
لم ينقذني الدواء وحده...
ولم تنقذني كلمات الأطباء وحدها...
بعد فضل الله...
أنقذني قلب رجل أحبني في أشد لحظات ضعفي.
تحملني كثيرًا.
وسهر بجواري ليالي طويلة.
كنت أستيقظ أحيانًا على همسات دعائه في جوف الليل.
وأسمعه مع أذان الفجر يناجي الله أن يرفع عني البلاء، ويرد إليّ عافيتي، وكأن ألمي أصبح ألمه، ومرضي أصبح مرضه.
ويقولون إن الإنسان إذا فقد ذاكرته...
نسي الوجوه التي أحبها.
أما أنا...
فقد أخذ المرض مني أكثر من الذاكرة.
نسيت أسماء أقرب الناس إليّ.
ونسيت وجوه أصدقاء عشت معهم سنوات طويلة.
ونسيت مواقف كانت يومًا جزءًا من حياتي.
كنت ألتقي بمن أعرفهم، فأشعر أنهم غرباء.
وأستمع إلى حديثهم، وكأنه يُقال لأول مرة.
كنت أبحث في عقلي عن أسمائهم...
فلا أجد سوى فراغٍ موحش.
حتى إنني أصبحت أخاف من الناس...
لا لأنهم أساؤوا إليّ...
بل لأنني لم أعد أعرفهم.
كنت أخاف أن أبقى وحدي...
وأخاف أكثر أن أنام وحدي.
كان الليل بالنسبة إليّ بحرًا آخر...
كلما أغمضت عيني، شعرت أنني أغرق من جديد.
فأفتح عيني مذعورة...
وأبحث عن شيء يطمئنني...
فلا أجد في ذاكرتي إلا وجهًا واحدًا...
وجه زوجي.
كان هو الحقيقة الوحيدة التي لم يستطع المرض أن يمحوها.
كل الوجوه تلاشت...
إلا وجهه.
كل الأصوات اختلطت...
إلا صوته.
كل الأسماء ضاعت...
إلا اسمه.
كنت أضع رأسي على صدره...
وأظل أستمع إلى دقات قلبه.
كانت تلك الدقات تطمئنني أكثر من أي دواء.
كنت أشعر أنها تقول لي في صمت:
"لا تخافي...
أنا هنا."
كان صدره وسادتي...
وذراعاه وطني...
وحضنه المكان الوحيد الذي أشعر فيه بالأمان.
وحين كان يضطر إلى السفر لإنجاز بعض أعماله، كانت الساعات تمر عليّ ثقيلة كأنها أعوام.
كنت أترقب عودته بلهفة طفلٍ ينتظر أباه.
وما إن يفتح باب البيت...
حتى أهرول إليه بكل ما بقي في داخلي من قوة...
وأرتمي في حضنه...
كطفلة وجدت أخيرًا المكان الذي لا تخاف فيه من شيء.
عندها فقط...
كان الخوف ينسحب من قلبي.
وأشعر أن الحياة ما زالت تمنحني سببًا لأتمسك بها.
ولم أكن أعلم آنذاك...
أن الله، وسط كل ما سلبه مني المرض، أبقى لي نعمة واحدة لم يمسسها النسيان.
أنني ما زلت أعرف الرجل الذي أحبني...
حين نسيت نفسي.
وما زلت أتذكر اليد التي كانت تنتشلني كل يوم من قاع اليأس...
وتعيدني إلى سطح الحياة.
واليوم...
كلما نظرت إلى الوراء...
أدركت أنني لم أكن أعيش مع زوج فقط.
بل مع وطن...
وملاذ...
وأمان...
ورحمة من الله.
فإذا سألني أحد يومًا:
ما معنى الوفاء؟
فلن أبحث عن إجابته في الكتب.
ولن أروي له قصص العشاق.
سأحكي له عن رجلٍ ظل ممسكًا بيد زوجته،
وهي تغرق، حتى أعاد إليها الحياة.
وسأقول له:
إن بعض الرجال يمنحون زوجاتهم بيتًا...
وبعضهم يمنحهن عمرًا...
أما زوجي...
فقد منحني حياةً جديدة.
ولذلك...
سيظل اسمه محفورًا في قلبي، ما بقي في صدري نفس.
وسيظل امتناني له أكبر من أن تحتويه الكلمات،
وأعمق من أن تفيه القصائد.
بقلم... العائدة إلى الحياة
عبير جلال الإسكندرية 24 يوليو 2026

تعليقات
إرسال تعليق