... الفضيلة والحق🌿



 الكاتب_ الاديب أ. جمال فارس

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

 رواية الفضيلة والحق .

جزء ( ٧ )


وبعد أن اجتمع جهاد حيدر وزملاؤه، وصديقه عمرو الطوبي، طفقوا يسألونه عما حدث، ولماذا اقتاده ذلك الرجل إلى ذلك المقر الأمني المهيب. فأجابهم جهاد: في هذا المكان يوجد عم سلمى، ابنة خالتي، وهو ضابط برتبة رفيعة يدير هذا المقر. لقد دارت بيننا مقابلة، وتحدثت فيها عن كل شيء..."

."انبرى أحد زملائه متسائلا بنبرة يملؤها الاستنكار: «ولماذا يستدعيك بتلك الطريقة الممعنة في الفظاظة؟! أولم يجد سبيلا آخر يحفظ وقارك، ويليق بقدسية وجودك داخل الحرم الجامعي؟!»""أشاح جهاد بوجهه قليلا، ثم أجاب بيقين صلب: «أظنها رسالة مشفرة أراد تمريرها إليّ، وقد بلغتني وفككت رموزها تماما. لكن غايته لن تدركني؛ فقلبي لا يسكنه الخوف من بشر، وما خشيت يوما سوى الله، وأنا طاهر اليد والذمة لم أقترف ما أخجل منه. جلّ ما في الأمر، أنه يسعى لاستغلالي كورقة ضغط، لعلّي أفلح في إقناع سلمى بالقدوم إلى عمتها القابعة هنا في الإسكندرية»." 

...

"في غضون ذلك، كان القلق ينسج خيوطه الثقيلة داخل بيت جهاد؛ حيث تجمّعت النسوة بقلوب واجفة، يرقبن عقارب الساعة التي أعلنت تجاوز موعد عودته من الجامعة بثلاث ساعات كاملة. كانت والدته تذرع المكان جيئة وذهابا، ينهش الخوف صدرها كلما مرّت دقيقة صمت. وبجوارها جلست خالته، عزيزة حسين، واجمة يحاصرها الترقب؛ فهي تدرك أكثر من غيرها مدى بطش شقيق زوجها، الضابط محمد البدوي، وتخشى أن يكون جهاد قد وقع في شباكه. أما سلمى، فكانت تجلس معزولة خلف جدار من الصمت العاصف، يمتزج في وجدانها القلق عليه بغضب مكتوم يشتعل في قلبها منه.""ولم يلبث هذا الترقب الثلاثي أن اتسع ليضم شخصا رابعا؛ إذ دلف إلى المنزل السيد عبد الرحيم المحجوب، الذي أتى لتوه مدفوعا بلهفة الاطمئنان على صحة سلمى، وفي جعبته حديث مؤجل يودّ مفاتحتها فيه، يتعلق بزيارتها المرتقبة لعمتها وعمها .،

"وفي تلك الأثناء، قطَع رنينُ الطرقات على الباب حبل الترقب، فاندفعت سلمى كالسهم لتفتح لجهاد. دلف جهاد إلى المنزل حاملا معه هدوءا حذرا، وألقى السلام على سلمى وعلى الحاضرين، ثم تقدّم ليصافح السيد عبد الرحيم المحجوب. وفي تلك اللحظة بالذات، تلاشت الأسئلة العاصفة، وتبخرت ثورة الغضب التي كانت تغلي في صدر الأم وفي وجدان سلمى، وانزاح مؤقتا التوجس الذي كان يقض مضجع السيدة عزيزة حسين؛ إذ فرض وجود السيد عبد الرحيم صمتا مهيبا، وكأنّ الحاضرين جميعا قد ابتلعوا ألسنتهم امتثالا لوقاره، مرجئين عتابهم الطويل لجهاد.""استغل السيد عبد الرحيم هذا السكون، والتفت نحو سلمى قائلا بنبرة أبوية حانية: «يا ابنتي، لعلنا بعد أسبوع من الآن نشد الرحال إلى الإسكندرية، أنا وأنت، في زيارة لعمك وعمتك؛ لتستكشفي ملامح الأمر هناك، وتتعرفي إلى عائلتك وعالمهم، وتمكثي في ضيافتهم ثلاثة أيام، ريثما أقضي أنا بعض شؤوني في الإسكندرية، ثم نقفل راجعين معا». لم تكد كلماته تنتهي حتى سارعت سلمى بالرفض القاطع، فما كان من السيد عبد الرحيم إلا أن طمأنها بابتسامة وقورة قائلا: «ليس الآن يا ابنتي، إنما بعد أسبوع كما أخبرتكِ، وأنا أقطع لكِ عهدا وثيقا: كما نذهب معا سنعود معا، وهذا وعد شرف ألتزم به أمامك. فلن أتركك وحيدة هناك أبدا» 


وبعد أن قدّمت والدة جهاد القهوة للسيد عبد الرحيم، ارتشَف منها رشفاتٍ وهو يواصل حديثه العذب إلى سلمى، محاولا بسط الطمأنينة في قلبها وإقناعها. وحين سبرت سلمى غور مقاصده، وأدركت نبل غايته، قالت بصوتٍ هادئ: «إذن، أمهلني يا عمي طيلة هذا الأسبوع لأمعن التفكير في الأمر». تهللت أسارير الرجل وقال بمودة: «على رِسْلِكِ يا ابنتي، خذي من الوقت ما تشائين». ثم هبّ واقفا ومضى نحو الباب مشيعا بالترحيب، ولم يفته أن يثني على طيب القهوة وحسن الضيافة، قبل أن ينصرف عائدا إلى بيته.""لم تمضِ سوى عشر دقائق على رحيله، حتى تكسّر سكون المنزل إثر طرقات قوية متسارعة على الباب، لم تكن مألوفة لديهم قط. نهض جهاد بريبة ليفتح الباب، ليفاجأ برجلٍ غريب الملامح، لم تقع عيناه عليه من قبل. بادر الغريب بالسؤال وعلامات الترقب تكسو وجهه: «هل هذا بيت أم جهاد؟». فأجابه الشاب: «نعم، وأنا جهاد». في تلك اللحظة، نفذ صوت الغريب إلى أعماق المنزل، فتسمّرت الأم في مكانها؛ إذ لم تستقر في مسامعها نبرة غريبة، بل صوت بعث في روحها ذكريات غابرة، فصاحت بلهفة انقطع لها التنفس: «يا جهاد! هذا خالك ممدوح ..خالك الذي غاب في غياهب العراق منذ سنين طويلة ذهب قبل بداية حرب العراق وإيران وخلافهم على مجرى شط العرب . وانقطعت أخباره عنا!».""هرولت الأم نحو الباب بدموع سبقت خطواتها، وارتمت في حضنه تضمّه إلى صدرها بلهفة السنين المفجوعة، وهي تشهق بنحيب مكتوم: «أخي.. وا حبيباه يا أخي!». وظلت تردد الكلمة وتبكي بكاء مرّا كأنها تسترد قطعة من روحها الضائعة، ثم استجمعت أنفاسها لتقول والدموع تغالبها: «أهلا بك يا أخي، تفضل دلفا، حللت أهلا ووطئت سهلا».""أقبل جهاد نحو خاله بمزيج من الدهشة والوقار، وصافحه بحرارة قائلا : «يا أمي، لم تحدثيني عن خالي إلا شذرات قيلت على مسامعي وأنا صغير، ولم تكتحل عيناي برؤيته قط.. حَمدا لله على سلامتك يا خالي، فخرٌ لنا أن تشرق دارنا بوجودك»."

...،،،...

بقلم /جمال فارس 

««««««««

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت