.... حماية مستمرة🌿



   الكاتب_الأديب أ. ماهر اللطيف

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

 حماية مستمرة


بقلم: ماهر اللطيف / تونس


كان الجميع يهرول في اتجاه مقصده... إلا أنا.


أحسست بيد تجذبني إلى الأسفل، وأخرى تخنق أنفاسي، وثالثة تجثم على صدري، ورابعة تمنع عني الدم والماء والهواء...


أذان الظهر يدوي من صوامع المدينة، مناديًا إلى الصلاة وذكر الله. طوابير الناس تمر من الجانبين بمحاذاتي، وأصواتهم، وأصوات نعالهم، تزيد من اضطرابي وقلقي...


لم أستطع الصياح وطلب النجدة. حتى الدمعة تجمدت بين الأجفان، وأبت أن تسقط. أردت أن أحرك يدي فلم أستطع؛ كانتا ثقيلتين لا تقويان على الحراك. حاولت الهرب، فخانتني قدماي، وسقطت أرضًا محدثًا زلزالًا مدويًا.


نظرت يمنة ويسرة، واستعطفت المارة بعيني، عسى أحدهم ينتشلني من الهلاك، لكن أحدًا لم يلتفت إلى هواني وضعفي، أو يمد إلي يده. تماسكت، وحاولت النهوض مجددًا، فخانني هذا الجسد الممتلئ، وسقطت مرة أخرى. كان الزلزال الثاني أشد وقعًا من الأول...


تذكرت حينها كيف كنت أمشي على أربع. أحاول النهوض فأسقط، فيبتسم أبي ويعينني على الوقوف، فأقع من جديد، فيعيدني مرة أخرى... وكنت -كما أخبرني- لا أرضخ للفشل منذ نعومة أظافري، أستبسل، وأومن بنفسي رغم وهني وضعفي...


أرجعني إلى وعيي صوت أعرفه جيدًا. دققت فيه، وأخذت أحدد هويته في مخيلتي قبل أن ألتفت إليه:


- انهض... كالعادة.


- (مبتسمًا) بطبيعة الحال... (حاولت مرة، وثانية، وثالثة... لكنني فشلت.) تمهل...


- (ساخرًا) اضمحلت قوتك، وبت ضعيفًا.


- (مقاطعًا) لا... انظر كيف سأنهض وأقهر ضعفي...


التفت سريعًا أستجلي مصدر الصوت، فلم أجد أحدًا. أعدت البحث، فلم يكن حولي أحد.


عندها فقط أدركت أنني لم أكن أسمع إلا صدى صوته...


نعم... إنه صوت أبي. الصوت الذي أرعبني في صغري، وأمرني ونهاني، ودلني وأرشدني، وعلمني عند بلوغي، ووجهني ونصحني في كبري...


وها هو اليوم، حتى بعد أن وُري الثرى، ما يزال يحميني ويرعاني، يحفزني على النهوض كلما فقدت توازني، ويأخذ بيدي حتى لا يدعسني من فوق التراب... وهو من تحت التراب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت