.... حصاد الضمير🌿
الكاتب_ الشاعر أ. أواب الطاهر
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
حصاد الضمير في زمن مستعار..
مشيت في دروب هذه الحياة طويلاً لم أكن فيها مجرد عابر سبيل بل كنت شاهداً وجزءاً من معتركها الضاري ورأيت بأم عيني كيف تصبح الأيام ساحة مكشوفة تتصارع فيها النفوس وكيف يرتدي الإنسان أقنعة شتى ليخفي وراءها حقيقته العارية وفي هذا الطريق الممتد التفت حولي فوجدت الزيف وقد صار عملة رابحة في سوق العلاقات ورأيت كيف يتقن الكثيرون فن التصنع فيبتسمون بوجوه مستعارة وينطقون بكلمات معسولة تقطر سماً خفياً كان التملق يحيط بي كالغبار حتى كدت في بعض اللحظات أفقد القدرة على التمييز بين الصدق والادعاء وكنت أتلمس وجهي وقلبي كل ليلة خوفاً من أن تتسرب إلي عدوى هذا الوباء الذي يلتهم أصالة الروح وفي ذات المسير واجهت المتكبرين أولئك الذين تورمت عقولهم بنشوة وهمية وظنوا أنهم بامتلاكهم لحطام الدنيا قد ملكوا رقاب البشر رأيتهم ينظرون إلى الناس من أبراجهم العاجية بنظرات ملؤها التعالي والازدراء وما علموا أن كبرياءهم هذا ليس سوى جدار رملي هش يبنونه ليستروا به عجزهم الداخلي وخوفهم القاتل من أن يبدوا عاديين كان مشهدهم يثير في نفسي مزيجاً من الأسى والترفع فما قيمة السمو المفترض إذا كان مبنياً على سحق مشاعر الآخرين لقد رأيت هذه القلاع الورقية تتهاوى عند أول منعطف حقيقي ورأيت كيف تذرو الرياح أسماءهم فلا يتبقى منها أثر لأن التكبر جثة هامدة لا حياة فيها ولا امتداد لكنني ووسط هذا الصخب والزيف اخترت أن أنحاز لجهة أخرى تماماً انحزت لسكينة التواضع لا عجزاً ولا قلة حيلة بل لقناعة راسخة في أعماقي بأن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت نفسها التواضع الذي عشته وجربته هو كبرياء العارف هو تلك القوة الصامتة التي تجعل الإنسان كالأرض المعطاء تسكت على عمقها وكنوزها بينما يمر الجميع فوقها ليتغذوا من خيرها ومن رحم هذا التواضع ولدت في داخلي رغبة عارمة في التراحم إذ أدركت أن هذه الحياة قاسية بما يكفي وأن صراعاتها تترك ندوباً غائرة في قلوب المتعبين فما أجمل أن نكون البلسم لتلك الجراح وما أعظم أن نمد أيدينا لنرمم كسر القلوب المنكسرة وسط عالم يتقن الهدم التراحم بالنسبة لي ليس مجرد عاطفة عابرة بل هو السلاح الأقوى والنور الأنقى الذي نغسل به غبار الطريق عن أرواحنا وأرواح من نحب إن الفضل والخير الذي نصر على غرسه في هذه الأرض رغم كل القبح المحيط بنا هو الانتصار الحقيقي والوحيد الذي يستحق العناء نحن لا نحارب في هذه الحياة لنغير العالم بل نحارب لكي لا يغيرنا العالم ولكي نخرج من هذا المعترك الطويل بقلوب ناصعة لم يلوثها زيف المتصنعين ولم يفسدها كبرياء الواهمين في نهاية المطاف عندما تنطفئ الأضواء وتسقط الأقنعة المستعارة لن يتبقى منا سوى ذلك الأثر الدافئ والرحمة التي زرعناها في قلوب الآخرين والخير الباقي الذي يثبت أننا عشنا بشراً حقيقيين بضمير حي لا يموت.
أواب الطاهر...

تعليقات
إرسال تعليق