.... خط تحت الموعد🌿🌿
الكاتب_ الشاعر د. جرجس حوراني
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
خط تحت الموعد
قصة د جرجس حوراني
في السادسة مساءً، كان أبو سليم يسقي النباتات في الشرفة الضيقة.
أمال الخرطوم نحو أصيص النعناع، ثم أعاده إليه بعد دقائق، رغم أن التراب كان رطبًا بما يكفي. في الشقة المقابلة، كانت امرأة تنفض سجادة صغيرة وهي تنادي حفيدها:
— ابتعد عن الحافة يا يزن. ضحك الطفل وركض. تابعه أبو سليم بعينيه حتى اختفى.
من الداخل جاء صوت زوجته:
— لا تنسَ، سليم سيتصل الليلة.
قال:
— أعرف.
لكنّه بقي في مكانه.
عندما اقتربت السابعة، دخل إلى الصالة. على الطاولة الصغيرة قرب الهاتف كانت ورقة مطوية إلى النصف.
في أعلاها:
“السبت — 7 مساءً” وتحت العبارة عشرات الخطوط الزرقاء المتوازية. جلس قرب الهاتف. نظر إلى الساعة.
6:59
رنّ الهاتف.
رفع السماعة قبل الرنة الثانية.
— مرحبًا أبي، هل تسمعني؟
ابتسم.
— أسمعك يا ابني.
تحدث سليم طويلًا.
عن العمل.
عن البرد.
عن مشروع جديد.
وعن اجتماع ينتظره بعد قليل.
كان أبو سليم يصغي أكثر مما يتكلم.
كلما همّ بأن يقول شيئًا، شعر أن الكلمات تتأخر عنه خطوة.
وأخيرًا قال:
— ومتى ستأتي؟
صمت الطرف الآخر لحظة.
— ربما في الصيف... إذا استطعت.
— خير إن شاء الله.
ثم انتهت المكالمة.
بقي أبو سليم ممسكًا بالسماعة لثوانٍ إضافية. كأن الفراغ الذي أعقب الصوت ما زال يحمل شيئًا منه. خرجت زوجته من المطبخ.
— كيف هو؟
— بخير.
اقترب من الطاولة.
فتح الورقة.
ورسم خطًا جديدًا تحت الموعد.
ثم أعاد طيّها.
في اليوم التالي، كان يبحث عن معطف قديم عندما عثر على صندوق أحذية فوق الخزانة.جلس على السرير وفتحه. شهادات مدرسية. سيارة بلاستيكية مكسورة. صور باهتة. ورسمة لطفل. بيت صغير مائل، وشجرة كبيرة، وشخصان يقفان تحتها.
وفوق الرسم بخط طفولي:
“أنا وأبي عندما نذهب لنشتري السمك.”
ابتسم.
بقي يتأمل الرسمة طويلًا.
دخلت زوجته.
رأت الورقة بين يديه وجلست بصمت.
ثم قالت:
— كان لا يفارقك.
هز رأسه.
وأعاد الرسمة إلى الصندوق بحذر.
في المساء، سمع ضحكة طفل في الشارع.
خرج إلى الشرفة.
كان حفيد الجيران يحاول إنزال طائرة ورقية علقت فوق عامود الإنارة. نزل حاملاً عصًا طويلة. حاول مرة. ثم ثانية. حتى تحررت الطائرة أخيرًا. ركض الطفل نحوها بسعادة. ناولَه أبو سليم الطائرة.
رفع الصغير رأسه وقال:
— شكرًا يا جدو.
تجمد أبو سليم لحظة.
ثم ضحك.
ضحكة صغيرة خرجت من مكان لم يزره منذ زمن. عندما عاد إلى الشقة، كانت زوجته ترتب الطاولة. مرّ قرب الهاتف. ثم توقف. فتح الدرج. وأخرج الورقة المطوية.
سألته زوجته:
— ماذا ستفعل بها؟
لم يجب.
فتحها للمرة الأولى أمامها بالكامل.
اتسعت عيناها.
فالخطوط لم تكن بالعشرات كما ظنت دائمًا. كانت بالمئات. تمتد على وجهي الورقة كلها. خطوط متراصة، دقيقة، ومتساوية تقريبًا.
قالت بصوت خافت:
— ما هذا كله؟ مرّر إصبعه فوق أول خط في أعلى الصفحة.
ثم قال:
— هذا أول اتصال بعد سفره.
انتقل إلى الخط الثاني.
— وهذا الذي بعده بأسبوع.
ثم ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت.
— كنت أرسم خطًا بعد كل مكالمة.
رفعت زوجته رأسها نحوه.
— منذ متى؟
طوى الورقة ببطء.
ونظر إلى التاريخ المكتوب في أعلاها.
كان تاريخًا يعود إلى اثنتي عشرة سنة.
اثنتا عشرة سنة من المكالمات.
اثنتا عشرة سنة من الانتظار.
ظل صامتًا لحظة.
ثم مزق الورقة إلى نصفين.
ولأول مرة منذ سفر ابنه، رمى الخطوط في سلة المهملات. في تلك الليلة، رنّ الهاتف مرة أخرى. نظر إليه. تركه يرن. ثم خرج إلى الشرفة.
في الأسفل، كان الطفل يركض بطائرته الورقية تحت ضوء المصابيح، بينما كانت الخيوط ترتفع في الهواء أكثر فأكثر.ظل أبو سليم يتابعها حتى اختفت في العتمة. هذه المرة، لم ينظر إلى الساعة

تعليقات
إرسال تعليق