🌹🌱نبع الفضيلة والحق🌱🌹
الكاتب جمال فارس
يكتب
🌱🌱🌱🌱🌱🌱
🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱
وَكَانَتْ مَدْرَسَةُ سَلْمَى فِي مَدِينَةِ رَشِيدٍ، وَ كُلِّيَّةُ جِهَادٍ فِي مَدِينَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ. ، جِهَادٌ كان حَسَّاسًا جِدًّا، وَحَرِيصاً كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَلَّا يَتْرُكَ سَلْمَى تَغْدُو وَتغدو وَحْدَهَا.
فِي الْحَقِيقَةِ، كَانَ احْتِرَامُهُ لِعَزِيزَةَ، وَالِدَةِ سَلْمَى، كَبِيرًا جِدًّا؛ لِأَنَّ أُمَّهُ، وَمِنْ قَبْلِهَا أَبُوهُ، زَرَعَا فِيهِ الْقِيَمَ وَالْأَخْلَاقَ النَّبِيلَةَ. وَهَذِهِ التَّرْبِيَةُ الرَّشِيدَةُ جَعَلَتْهُ دَائِمًا يَشْعُرُ بِأَنَّ لِسَلْمَى حُقُوقًا كَبِيرَةً عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تَكْبُرُ أَمَامَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
لِذَلِكَ كَانَ جِهَادٌ شَدِيدَ الْخَوْفِ عَلَى سَلْمَى. وَكَانَا يَلْتَقِيَانِ عِنْدَ تَلة عَالية تُحِيطُ بِهِا أَشْجَارُ الْبُرْتُقَالِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ، أَمَّا الْجِهَةُ الرَّابِعَةُ فَكَانَ يَحُدُّهَا فَرْعُ النِّيلِ الْمُسَمَّى بِفَرْعِ رَشِيدٍ.
فَتَخَيَّلْ هَذَا الْمَشْهَدَ عِنْدَمَا يَقْتَرِبُ قُرْصُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَاءِ، وَكَأَنَّهُ يُقَبِّلُهُ قُبْلَةَ وَدَاعٍ دَافِئَةً تُعَبِّرُ عَنْ مَدَى عُمْقِ الْعَلَاقَةِ الْيَوْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ الْخَلَّابِ
وَكَانَتْ سَلْمَى، حِينَ تَلْتَقِي جِهَادًا، تُمْطِرُهُ بِكَلِمَاتِ الْوُدِّ وَالِاهْتِمَامِ وَالتَّقْدِيرِ، فَكَانَ يَشْعُرُ فِي دَاخِلِهِ أَنَّ اللَّهَ عَوَّضَهُ عَنْ أَبِيهِ بِتِلْكَ الطِّفْلَةِ الْبَرِيئَةِ الَّتِي رَبَّاهَا، وَكَبِرَتْ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَصَارَتْ شَابَّةً جَمِيلَةً يَافِعَةً، ذَاتَ عُيُونٍ جَمِيلَةٍ يَمْلَؤُهَا الْأَمَلُ وَالْمَشَاعِرُ النَّبِيلَةُ تِجَاهَ جِهَادٍ.
وَنَعُودُ إِلَى عَزِيزَةَ حُسَيْنٍ، وَهِيَ تُفَكِّرُ فِي حِيلَتِهَا الَّتِي سَتُبْعِدُ بِهَا سَلْمَى عَنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَعَنْ آلَامِهَا وَشَقَائِهَا.
وَكَانَ لِسَلْمَى عَمَّةٌ تَعْمَلُ طَبِيبَةً تُدْعَى إِينَاسَ الْبَدْيَوِي، وَتَسْكُنُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَكَانَتْ شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِأَخِيهَا، وَالِدِ سَلْمَى الْمُتَوَفَّى.
فَقَرَّرَتْ عَزِيزَةُ أَنْ تُرْسِلَ لَهَا رِسَالَةً تَسْتَعْطِفُهَا مِنْ أَجْلِ مُسْتَقْبَلِ ابْنَةِ أَخِيهَا. وَفِعْلًا كَتَبَتِ الرِّسَالَةَ، وَأَرْسَلَتْهَا، تُخَاطِبُهَا فِيهَا عَنْ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمَا، وَعَنْ حَيَاتِهَا وَحَيَاةِ ابْنَةِ أَخِيهَا الْبَائِسَةِ. بعد وفاة أخيها
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَانَ لِسَلْمَى عَمٌّ يَعْمَلُ فِي جِهَةٍ سِيَادِيَّةٍ يُدْعَى مُحَمَّدَ الْبَدْيَوِي، وَكَانَ يَتَمَتَّعُ بِنُفُوذٍ حُكُومِيٍّ كَبِيرٍ.
عِنْدَمَا وَصَلَتْ رِسَالَةُ عَزِيزَةَ إِلَى الْعَمَّةِ إِينَاسَ وَقَرَأَتْهَا، لَمْ تُفَكِّرْ كَثِيرًا، وَرَدَّتْ بِرِسَالَةٍ أُخْرَى مُقْتَضَبَةٍ جِدًّا:
«نَحْنُ نُرِيدُ الْبِنْتَ بِمُفْرَدِهَا، وَالسَّلَامُ».
فَحَزِنَتْ عَزِيزَةُ، لذلك وَشَرَدَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ فَكَّرَتْ وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا:
«لَا بَأْسَ، سَلْمَى وَحْدَهَا لَيْسَ فِيهِ مُشْكِلَةٌ، بَلْ هَذَا أَفْضَلُ لَهَا».
وَبَعْدَ فَتْرَةٍ لَيْسَتْ بِطَوِيلَةٍ، حَضَرَ شَيْخُ غَفْرِ الْقَرْيَةِ، وَأَبْلَغَهَا أَنَّ الْعُمْدَةَ، مَسْؤُولَ الْقَرْيَةِ، يُرِيدُ مُقَابَلَتَهَا.
فَسَأَلَتْهُ عَنْ سَبَبِ الِاسْتِدْعَاءِ، فَأَجَابَهَا بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا.
فَقَرَّرَتِ الذَّهَابَ مَعَهُ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى مَقَرِّ الْعُمْدِيَّةِ. وَهُنَاكَ اسْتَأْذَنَ لَهَا شَيْخُ الْغَفْرِ بِالدُّخُولِ، فَأَذِنَ لَهَا الْعُمْدَةُ.
وَبَعْدَ أَنْ أَجْلَسَهَا أَمَامَهُ، بَدَأَ يَشْرَحُ لَهَا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ إِشَارَةٌ إِلَى دَوَّارِ الْعُمْدَةِ تُفِيدُ بِضَرُورَةِ ذَهَابِ الْفَتَاةِ إِلَى عَمَّتِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَتَجَاوَزُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَاعَةً.
فَسَأَلَتْهُ: — مِنْ أَيِّ جِهَةٍ؟
فَقَالَ: — مِنْ مَكْتَبِ الضَّابِطِ الْكَبِيرِ، عَمِّ الْفَتَاةِ، وَمِنْ عَمَّتِهَا أَيْضًا، وَهِيَ تُرِيدُهَا أَنْ تُسَافِرَ إِلَيْهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ خَاطَبَتْنِي هَاتِفِيًّا.
هُنَا شَرَدَتْ عَزِيزَةُ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا:
«وَكَأَنَّكِ يَا دُنْيَا تَتَلَذَّذِينَ بِالْقَسْوَةِ، وَتُمْعِنِينَ فِي الْجَفَاءِ».
ثُمَّ انْصَرَفَتْ، وَكَأَنَّ أَقْدَامَهَا مُلْتَصِقَةٌ بِالْأَرْضِ، تَنْتَزِعُهَا انْتِزَاعًا.
وَمَا إِنْ دَلَفَتْ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى أَخْبَرَتِ الْجَمِيعَ بِهَذَا الْخَبَرِ.
وَطَبْعًا، رَفَضَتْ سَلْمَى ذَلِكَ، وَرَفَضَتْ أُمُّهَا أَيْضًا، وَاسْتَغْرَبَتْ أُمُّ جِهَادٍ جِدًّا لهَذَا الِاسْتِدْعَاءَ الْعَاجِلَ وَطَرِيقَتَهُ.
وَهُنَا بَدَأَ الْخَوْفُ يَتَسَلَّلُ إِلَى قُلُوبِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى قَلْبِ جهاد حَيْدَرَ أَيْضًا. فَتَرَكَ الْبَيْتَ وَخَرَجَ هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ بَيْنَ الزِّرَاعَاتِ.
وَمَا إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى قَلِقَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ، فَخَرَجَتْ لِلْبَحْثِ عَنْهُ، وَرَافَقَتْهَا سَلْمَى مُسْرِعَةً تَهْرُولُ، وَكَأَنَّ قَلْبَهَا يُخْبِرُهَا بِفِرَاقٍ قَسْرِيٍّ قَرِيبٍ.
وَلَمَّا كَانَتَا عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ تُخُومِ الْقَرْيَةِ، خَشِيَتْ أُمُّ جِهَادٍ أَنْ تَلْفِتَ الْأَنْظَارَ، فَقَالَتْ لِسَلْمَى:
— سَنَرْجِعُ.
فَعَادَتَا إِلَى الْبَيْتِ.
وَقَالَتْ أُمُّهُ: — سَوْفَ يَعُودُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
وَلَكِنْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ انْتَهَتْ، وَلَمْ يَأْتِ جِهَادٌ.
فَتَوَتَّرَ الْجَمِيعُ، وَجَلَسُوا حَيَارَى يُفَكِّرُونَ:
......
أَيْنَ ذَهَبَ جِهَادٌ ...؟!
... الجزء( 2 ) من رواية
( نبع الفضيلة والحق )
بقلم /جمال فارس
...
9/6/2026
2.26 BM
🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱

تعليقات
إرسال تعليق