.... حكاية🌿


 

 الكاتب_ الأديب أ. عبد الفتاح الطياري 

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

حكاية "تركي" التي توقف زمنها

​في قرية "تركي" الوادعة، حيث تتداخل أصوات السواقي مع حفيف أشجار الزيتون، لم يكن "عم مصطفى" مجرد طاهٍ بسيط، بل كان نبض القرية الخفي. في أفراحنا، كانت رائحة أطباقه تعلن بدء البهجة، وفي أحزاننا، كان حضوره الصامت -حاملاً صواني الطعام للمواساة- جزءاً من طقوسنا التي لا تكتمل إلا بوجوده.

​عاش مصطفى حياةً متواضعة، لكن جسده كان يحمل سراً تقنياً؛ فقد زُرع له جهاز "بطارية قلب" (Pacemaker) منذ سنوات، ليضبط إيقاع حياته الذي بدأ يختل مع تقدمه في العمر. كانت "روضة"، شابة ذكية عملت كمساعدة له لسنوات، هي الوحيدة التي تعرف سره. لم يعلمها مصطفى الطبخ فحسب، بل أورثها "فلسفة المواساة"؛ كان يهمس لها دائماً: "يا ابنتي، الطبخ نبض؛ إذا توقف النبض ماتت المائدة، وإذا ماتت المائدة تاهت القرية".

​قبل رحيله بشهور، حين أخذ التعب ينهش جسده، كان يراقب روضة وهي تقود مطبخ القرية ببراعة. كان يعلم أنها الوريثة الحقيقية، ليس فقط للوصفات، بل للمسؤولية الأخلاقية تجاه أهل "تركي".

​وفي صبيحة يوم رمادي، توقف قلب مصطفى عن الخفقان. ساد الحزن القرية، وسارع الأهل لاستدعاء الطبيب، لا ليحيوه، بل ليوثقوا رحيله بشهادة دفن. وصل الطبيب، وحين وضع سماعته على صدر مصطفى، تجمد في مكانه. لم يكن الصمت هو ما سمعه، بل كانت هناك "رعشة" خفيفة، دقات غير منتظمة لكنها قائمة، نبضٌ ميكانيكي يرفض الانصياع لقوانين الفناء.

​سحب الطبيب سماعته، مسح عرقاً بارداً عن جبينه، ونظر إلى الأهل بارتياب: "هذا الرجل.. قلبه لا يزال يحاول التنفس!". تقدم ابن مصطفى بهدوء: "يا دكتور، إنه لا يحيى، بل هي بطارية قلبه؛ جهاز صغير لا يزال يعمل، يضخ طاقة في جسدٍ قد غادرته الروح".

​احتدم النقاش. رفض الطبيب بعناد مهني منح شهادة وفاة لرجل ينبض قلبه، بينما تعنت الأهل: "هل نتركه حتى تنفد البطارية ويتعفن؟ أتريد منا أن نحوله إلى فرجة؟". أمام ضغط الواقع وقسوة الموقف، وضع الطبيب قلمه على الورق، وبيدٍ مرتجفة كتب: "وفاة طبيعية"، تاركاً القرية تودع طاهيها إلى مثواه الأخير، بينما كانت بطارية قلبه في الداخل تواصل الخفقان، وكأنها ترفض الاعتراف بأن صاحبها قد غادر المائدة إلى الأبد.

​في غسق اليوم التالي، كانت القرية قد عادت إلى هدوئها المعتاد، بعد أن ووري "عم مصطفى" الثرى. في تلك الليلة، مرّ ابن مصطفى بجانب القبر، فتوقف فجأة. انحنى بإذنه ليقترب من الثرى، فسمع صوتاً خافتاً، إيقاعاً معدنياً رتيباً: "تك.. تك.. تك..".

​لم يكن الصوت صادراً من الصدر، بل كان ينبعث من أعماق الأرض، ممتداً ليشمل ساحات القرية بأكملها. وفي تلك اللحظة، حدث ما لا يُصدق؛ كل أجهزة التوقيت في القرية -ساعات اليد، ساعات الحائط، حتى ساعة المئذنة- توقفت في لحظة واحدة. وكأن بطارية مصطفى لم تكن تُشغل قلبه فحسب، بل كانت هي "الميقاتي" الذي يضبط زمن القرية.

​في تلك الأثناء، كانت روضة في مطبخها. حين توقفت ساعات القرية، لم تشعر بالذعر، بل أحست برعشة غريبة في كفيها. وضعت يدها على مقلاتها، لتسمع دقاتٍ خافتة تتناغم مع دقات قلبها هي. لقد انتقل "الإيقاع".

​تجاوزت روضة حالة السكون التي خيمت على "تركي"؛ فقد أصبحت هي المنظم الجديد للزمن. الطعام الذي تقدمه صار يعيد للناس شعورهم بمرور الوقت؛ بمجرد أن يتذوق أحدهم لقمة من يدها، تبدأ ساعته الشخصية بالدوران من جديد.

​لكن روضة أدركت الحقيقة المرة: في كل مرة تطهو فيها، كانت تشعر بأنها تفقد جزءاً من نبضها الخاص لصالح هذا النبض المعدني المتوارث. وفي أعماق القبر، كانت دقات البطارية تتسارع، ليس كجهاز منظم، بل كجهاز "استدعاء".

​أدركت روضة أن "إرث" مصطفى لم يكن وصفات طعام، بل كان حمل "البطارية الكونية". وبينما كانت تطهو للقرية في أفراحها وأحزانها، كانت تدرك في قرارة نفسها أن اليوم الذي ستتوقف فيه هي عن الطبخ، سيكون هو اليوم الذي سيتوقف فيه قلب القرية تماماً، ولن يبقى فيها سوى الصمت، والصوت الخافت القادم من تحت الثرى: "تك.. تك.. تك..".

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

((((( غدر الاقارب. ))))

يا من تراقبني بصمت