... عرس🌿
الكاتب_ الأديب أ. عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
عرس تحت القنابل
دعاني صديقي "بيرم" لحضور حفل زفافه في بيروت. قبلتُ الدعوة وكلّي فرحٌ وتساؤلات: كيف يُقام حفل زفافٍ تحت أصوات القنابل، وربما تحت القصف المباشر؟
قال لي بيرم: "تعوّدنا... لا تخف، ففي ديارنا مَن يحميك". قصدتُ لبنان، والغصّة تملأ شدقيّ مرارة.
وصلتُ إلى المطار، فوجدتُ بيرم في انتظاري، تعلو شفتيه ابتسامةٌ عريضة ولا تفارقه الدعابة. انطلقنا نحو ضواحي بيروت على وقع أصوات المزمار والبارود. وهناك، ودّعني عند خالته "ريتا"، موصياً إياها بالحرص على طعامي وسلامتي.
قادتني ريتا، وضحكاتها تسبقها، إلى مخبأ تحت الأرض قائلة: "هنا تقع شقتك". غادرتني، وبقي صدى ضحكاتها يتردد في ذلك الفراغ الإسمنتي.
رغم تعبي الشديد، جافاني النوم. استلقيتُ، وبقيتُ أجترّ كل ما رواه لي بيرم ونحن في طريقنا إلى المنزل. أمسكتُ قلمي لأكتب ما يغلي في دمي؛ فالحبر لم يكن كافياً لينحت خواطري، كان عليّ أن أنحتها بالدم لكي تُدبغ في الذاكرة ولا تُمحى...
في قديم الزمان، لم يكن ختم الشمع مجرد أداة للوسم، بل كان امتداداً لهوية الكاتب. كان هذا الشمع يحرس انسيابية الخط وتفاصيل الحبر في الداخل، ليضمن ألا تتحول الكلمات إلى حروفٍ ضائعة في دروب السفر الطويلة. بهذا الختم، تُطوى المسافة بين المرسِل والمستقبِل، ليكون بمثابة حارسٍ شخصي يحمي سيادة النص وفردية كاتبه من أعين المتطفلين، فلا يُقرأ المكتوبُ إلا مِمَّن كُتب إليه. أردت أن أكون المرسل.
في بقعةٍ جغرافيةٍ ضيقةٍ لكنها تتسع لتاريخ من النور والنار، قبعت "مدينة الأرز". كانت المدينة قديماً ملاذاً للمضطهدين، ومسرحاً للأبجدية، ومنارةً تشع بالحرية. لكن توالي العواصف جعل جدرانها تتصدع، وأرهق أهلها طول الصمود.
من وراء الأفق المظلم، بدأ زحف "الصعاليك". في هذا المستنقع، لم يكن الصعاليك فقراء يبحثون عن رغيف خبز، بل كانوا كياناتٍ بلا جذور أخلاقية، مجاميع تتغذى على الفوضى، وتستمد قوتها من ضعف الآخرين. كانوا يحملون فكراً عدمياً، لا يبنون صرحاً ولا يزرعون شجرة، بل يتقنون فن تفكيك الأوطان.
اقتربوا من أسوار المدينة، لا بقوة عسكرية ساحقة، بل مستغلين التشققات في جدارها، والصراعات بين أطيافها. كانوا يعلمون أن المدن العظيمة لا تسقط من الخارج، بل تتآكل من الداخل أولاً.
على أسوار المدينة، كان يقف من يُفترض بهم حمايتها. لم يكونوا بلا سلاح، ولا بلا ثروة، لكنهم كانوا بلا "يقين". هؤلاء هم الجبناء؛ طبقة من المنتفعين، والساسة الخائفين على مكاسبهم، وصامتون آثروا السلامة المؤقتة على الكرامة الدائمة. إنها خيانة الخوف. الجبان لا يهرب دائماً، بل أحياناً يبتسم للقاتل ويقدم له مفاتيح البيت، ظناً منه أنه سيُستثنى من المذبحة.
بدلًا من توحيد الصف لمواجهة الصعاليك، قرر الجبناء التفاوض مع الفوضى. فتحوا أبواب المدينة السرية والعلنية، مبررين ذلك بالواقعية السياسية، أو درءاً لشر أكبر، أو طمعاً في حصة من غنائم الخراب. لم يدركوا أن من يساوم على المبادئ يفقدها ويفقد معها الوطن.
لحظة انزلاق المزاليج الثقيلة وسقوط البوابات، لم تدخل جيوشٌ تقليدية، بل دخلت "جهنم" نفسها. الانهيار لم يكن دموياً في ساعته الأولى فحسب، بل كان انهياراً كاملاً... اقتصادياً، أكل جنى الأعمار ومسخ الطبقات؛ ومؤسساتياً، تحولت القوانين إلى حبر باهت، وسادت شريعة الغاب؛ وقيمياً، حيث أصبح الصعلوك سيداً، والمثقف مشرداً، واللص قاضياً.
الجبناء الذين فتحوا الأبواب كانوا أول من اكتوى بنارها؛ فمن يروّض الوحش، غالباً ما ينتهي كوجبة له. فقدوا قصورهم، وأموالهم، وما هو أسوأ.. فقدوا ماء وجوههم أمام التاريخ.
في وسط هذا الجحيم، بقي "الأحرار". وهم قلة لم تشارك في الخيانة، ولم ترتضِ الاستسلام. هؤلاء لم يملكوا مفاتيح الأبواب ليغلقوها، ولم يملكوا القوة الغاشمة لطرد الصعاليك، لكنهم كانوا يملكون شيئاً أثمن: "الوعي والذاكرة".
فُتحت عليهم أبواب جهنم وهم عُزّل إلا من كرامتهم. واجهوا الجوع، التهميش، والتهجير. لكن القصة الميدانية لا تنتهي بانتصار النار، بل بطبيعة الرماد. لقد أدرك الأحرار حقيقة وجودية قاسية: "لا يمكن بناء مدينة جديدة إلا بعد أن يُطهر الحريق ما أفسده الجبناء".
إن مأساة الأوطان لا تكمن في قوة الصعاليك الذين يهاجمونها، بل في هشاشة الجبناء الذين يسلمونها. الصعلوك يؤدي دوره الطبيعي في محاولة النهب، لكن الجبان يخون العهد الإنساني.
وما تبقى من الأحرار في لبنان، أو في أي بقعة تشهد هذا المخاض، هم "البذرة". قد يحترق الغطاء النباتي بالكامل، وقد تتفحم الجذور، لكن شجرة الأرز علّمت التاريخ درساً... حتى من بين الصخور المكسورة والرماد الأسود، يمكن لبرعم صغير أن ينبت، ليخبر العالم أن جهنم قد تحرق الأجساد، لكنها لا تستطيع أبداً أن تحرق فكرة الحرية.
انتهى الزفاف فرحاً، وغناءً، ورقصاً، وباروداً، وفروسيةً... وقبل أن أغادر المكان، سلّمتُ بيرم مخطوطتي بعنوان: "حُرّاس الرماد وأبواب الجحيم".
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق