...اخر رائحة 🌿


 

   الكاتب_ الشاعر أ.عبد الفتاح الطياري

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

آخر رائحة الزمن الجميل 

في ليلة باردة من ليالي شهر نوفمبر، كان رجل ضئيل البنية يسير بجهد وعناء على طول ممر مظلم، حاملاً على كتفيه كيسًا ضخمًا ممتلئًا عن آخره. كان يتقدم بخطى متوجسة ومترددة، ككلب هجين هرم ومتعب يشعر بغريزته أن الحذر الشديد وحده كفيل بحمايته من أي اعتداء. لم يكن هذا الرجل يعيش خارجًا عن القانون، ولم يكن لديه ما يدعوه للخوف من بطش قوات الأمن، ومع ذلك، كان كل شيء في سلوكه يشي بالذنب والخوف من أن يتعرف عليه أحد.

​كانت الرياح الصفارة تجلد وجهه الشاحب، وكلما اهتزت ظلال الأشجار العارية على الجدران، انكمش جسده الضئيل وتجمد في مكانه، متلفتًا يمنة ويسرة، ومثبتًا قبضته المرتعشة على فوهة الكيس الخشن.

​لم يكن الخوف الذي يسكنه خوفًا من قضبان السجن، بل كان خوفًا أعمق وأقسى؛ خوفاً من الفضيحة التي لا يرحمها المجتمع، ومن نظرات الشفقة أو السخرية التي قد تطارده إذا ما انقشع الستر عن سره. في هذا الكيس، كان يحمل ثروة عمره التي تآكلت، كبرياءه الذي يوشك على الانهيار، وحاجته التي حاول طويلاً مداراتها.

​استمر في السير حتى وصل إلى الأطراف المعتمة للمدينة، حيث تتلاصق الدكاكين القديمة التي أغلقت أبوابها منذ ساعات. توقف أمام دكان صغير يعلو بابه قنديل باهت، وطرق الباب الخشبي ثلاث طرقات خفيفة خجولة.

​انفتح الباب ببطء، ليظهر من خلاله رجل عجوز ذو عينين صقريتين، رمق الرجل الضئيل بنظرة عارفة، ثم تنحى جانبًا دون أن ينبس ببنت شفة، مشيرًا إليه بالدخول.

​داخل الدكان، كان الدفء ينساب من مدفأة حطب صغيرة. وضع الرجل الضئيل الكيس الضخم على الأرض بأطراف أصابعه كأنه يحمل قنبلة موقوتة، وتراجع خطوة إلى الوراء، واضعًا يديه في جيوب معطفه المهترئ وهو يتنفس الصعداء.

​أمسك العجوز بالكيس، وحل عقاده، وقلب محتوياته على طاولة خشبية واسعة. لم تكن هناك ممنوعات، ولا مسروقات. كانت هناك ساعات حائط قديمة، أوانٍ نحاسية متوارثة، بعض الكتب النادرة ذات الحواف المذهبة، وثوب زفاف حريري قديم طُوي بعناية فائقة. كانت هذه أرواح بيته، وآخر ما يملكه من رائحة زمنه الجميل.

​نظر العجوز إلى البضاعة، ثم نظر إلى عيني الرجل الضئيل اللتين غامتا بدموع محبوسة. لم يفاصل العجوز، ولم يجادل، بل فتح درج مكتبه وأخرج حزمة من النقود، وضعها في يد الرجل قائلاً بصوت خفيض: ​"هذا حقها وزيادة.. والسر في بئر يا صديق. اذهب وأطعم عيالك، ولا تدع البرد يكسر قلبك."

​خرج الرجل الضئيل إلى الممر البارد مجددًا، لكن خطوته هذه المرة لم تكن متوجسة ولا مترددة. الكيس الضخم الذي كان ينوء بحمله قد اختفى، ومعه اختفى ذلك الثقل النفسي الجاثم على صدره.

​لم يعد يسير ككلب هجين خائف، بل استقام ظهره قليلًا، ودس النقود في جيبه الداخلي القريب من قلبه. لقد باع ماضيه ليشتري الغد لعائلته، ومع أن الذنب الخفي لخسارة مقتنياته كان يوجعه، إلا أن دفء الكرامة المحفوظة كان أقوى من صقيع الخريف.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))