🌹🌱نبع الفضيلة والحق🌱🌹

 الكاتب جمال فارس

يكتب

🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱


🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱

رواية: نبع الفضيلة والحق..

جزء ( ٤ )


فبات الجميع يترقب ولسان حالهم يقول إلى أيِّ مدى تأخذنا الأقدار.


وطرقت عزيزة باب غرفة سلمى، ولم تستجب لطرقها، وعاودت عزيزة الطرق مراتٍ عديدة، وهي تقنعها أنها ستفعل كلَّ شيءٍ من أجلها، فهي معها دائمًا ولن تتركها.


وفتحت سلمى وهي منهارة تمامًا، فضمتها أمها إلى صدرها وصارت تمسح دموع سلمى إلى أن هدأ نحيبها، وتوقفت عن البكاء، وعزيزة تفكر بتردد: هل ستحكي لها ما كان منها خوفها على مستقبلها، وأنها هي من أرسلت إلى أهل أبيها، وأنها كانت تريد لها الخير كأمٍّ في المقام الأول، أم تبحث عن مستقبلٍ أفضل لابنتها؟


ودخل جهاد غرفته، وأم جهاد ظلت في غرفة المعيشة تفكر: ماذا لو امتنعت سلمى !

 ماذا يفعلون؟


ونعود لعزيزة التي حسمت أمرها أن تنفذ خطة جهاد، ولكن لا تعرف كيف السبيل إلى التنفيذ دون أن يعرف أحد عن رغبتها في استبعاد سلمى، وفكرت في خطة جهاد، وما بقي إلا أن تستسلم سلمى للأمر الواقع.


نذهب إلى جهاد، الذي هو الآن في غرفته مرتابًا، قلقًا وحائرًا، يفكر: هل يساعد في سفر سلمى وهو يريدها إلى جواره؟


ويقول لنفسه: هذا اختبار حقيقى، لكن لا يشبه اختبارات الجامعة، ولكنه اختبار يحدد المصير.


وهنا تحضر في قلبه الآية الكريمة رقم (44) من سورة غافر:


﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.


وتغفو عيناه دقيقة أو أكثر، ثم يستيقظ، وظل على هذه الحال إلى أن أُذِّن لصلاة الفجر، وقام للصلاة، وذهب إلى مسجد القرية الكبير.

وبعد الصلاة التقى صديقه عمرو الطوبى 

 و سأله عمرو عن أحواله وهل تم شيء مما اتفقا عليه هو والأستاذ حسان فقال ما زال الأمر كما هو وننتظر وتصافحا وانصرف عمرو. ثم التقى السيد عبد الرحيم، المحجوب وتحدثا في ذات الموضوع، وأخبره ما كان من أمه وأم سلمى، وطال الحديث حتى صلاة الشروق.

وقال السيد عبد الرحيم:

أنا وعدت والدتك والسيدة عزيزة بأن أتدخل في الأمر.

فرد جهاد:

وهل سيتغير شيء؟


فقال له:

بإذن الله.


  وسارا معا وانصرف كلٌّ منهما إلى بيته.


وعندما ولج البيت وجد الجميع مستيقظًا، وبعد أن ألقى عليهم السلام قال لهم:

اليوم لا كلية ولا مدرسة، وسنبقى بالبيت جميعًا.


وأحضروا الفطور وتناوله الجميع.


وسأل جهاد سلمى:

هل عندك شيء أراجعه معك؟


فقالت:

لا، شكرًا.


فأدرك أنها غاضبة منه، وأعاد عليها السؤال.


فقالت:

لا شأن لك بى.


وكانت تجلس بجوار أمه، فتوجه إليها بجملة واحدة:


هل تخلفت الشمس يومًا أن تشرق في الميعاد؟


فأجابت بابتسامة صغيرة استعادت بها روحها، وأظهرت جمال وجنتيها:


فأجابت لا.


فلما رأى جهاد ذلك اطمأن ودخل غرفته.


وعند التاسعة صباحًا ذهب السيد عبد الرحيم المحجوب إلى عمدة القرية ليتقصى ما الأمر، فقص عليه العمدة بأن لها عمًّا ذا منصب كبير في جهة سيادية، فاتصل به، وعمتها اتصلت بعده، يريدان البنت وحدها.


فسأله السيد عبد الرحيم:

هل معك رقم هاتفه؟


فقال:

لا، لم يعطه لى، وأمهلنا أربعًا وعشرين ساعة فقط.


فلما لم يصل السيد عبد الرحيم لشيء مع العمدة عاد إلى بيت جهاد حيدر، وأخبرهم بما حدث، وقال لهم:


أنا أعتقد أن عمها سيرسل أحدًا اليوم، بل أكاد أجزم أنهم سيأتون ليأخذوا سلمى، فأنا سأنتظر في القصر وسوف تحل سلمى ضيفة علينا اليوم أنا وأسرتي ، وإذا جاء أحد يطلبها أخبرني يا جهاد، وقل لهم: هي عند خالها.


وفي هذا التوقيت كان جميع الفلاحين على رأس عملهم في الحقول.


وقبل صلاة الظهر بنصف ساعة حضرت سيارة سوداء، زجاجها متشح بالسواد من كل اتجاه، ونزل منها أربعة أشخاص تستر ملابسهم أسلحة نارية تحتها، ومعهم شيخ خفر القرية، ويتقدمهم رجل طويل يرتدي بدلة سوداء.


وكان جهاد يمر بالأرض خلف البيت، فلما رأى ذلك ذهب مسرعًا ليخبر السيد عبد الرحيم المحجوب.


وطرق الرجل ذو البدلة السوداء الباب بشدة، فخرجت لهم أم جهاد.


فقال:

أين سلمى أحمد البيدوي؟


فقالت:

من أنتم؟


فأعاد عليها السؤال بصوت عالٍ.

فأخبرته 

عند خالها.


وقالت:

تفضل يا بني حتى أخبر خالها.


فرد بصوت أجش:

فقط قولي لنا العنوان.


وفي هذه الأثناء حضر السيد عبد الرحيم ومعه بضعة نفر من عماله، ومعه جهاد.


وقال لهم:

من أنتم؟


فلم يجيبوه.


فقال:

أنا أتحدث إليكم، أنا عضو مجلس شعب...


ولم يكمل الرجل الجملة، فردوا عليه:


ولو كنت وزيرًا، نحن هنا في مهمة، ولن يستطيع أي أحد أن يثنينا عنها .!

فغضب السيد عبد الرحيم لفعلهم، وعلا صوته، وعلت أصوات المدججين بالسلاح والنفر الذين معه، وصارت فوضى.


فسمعت سلمى الأصوات، فخافت وأتت بسرعة، فرآها السيد عبد الرحيم فأشار لها أن ارجعي إلى البيت.


ففهم صاحب البدلة أنها هي سلمى، فأشار لمن معه أن يمسكوا بها.


فصرخت سلمى بطريقة هستيرية، فسمعها الفلاحون، فأتوا مهرولين بالفؤوس والمناجل والعصيّ وصارت فوضى وجلبة كبيرة.


والتف أهالي القرية، جزء كبير منهم يحيط بسلمى كالسوار في المعصم، وفي القلب جهاد حيدر وأنفار السيد عبد الرحيم، وجزء آخر حول المعتدين.


فتحدث إليهم السيد عبد الرحيم:


للأسف يا حضرة الضابط، أنت لم تدرك أين أنت .!

 وعليك الآن الاتصال برئيسك وتخبره بما حدث وأني أريد التحدث إليه.


فنظر الضابط ذو البدلة السوداء إلى منظر أهل القرية وهم يحيطون بهم من كل جانب، ففهم أنه ليس لهم مخرج من هنا إلا بإخبار السيد محمد البيدوي، عم سلمى، بما حدث.


وقال له:

هنا عضو مجلس شعب يريد مخاطبة سيادتك.


وعندما أخذ اللاسلكي هدأت الناس، وتعرف السيد عبد الرحيم على عم سلمى، وأخبره أنه يترك له الأمر فترة حتى تستوعب الفتاة ما يحدث، وقال له إنها الآن في صدمة كبيرة.


فرد عم سلمى، محمد البيدوي:

أعطني مدة محددة.


قال له:

شهر.


فأجابه:

كثير.


فوعده السيد عبد الرحيم أنه سيزوره عن قريب، وربما تكون معه سلمى.


فهدأ عم سلمى الضابط الكبير، وأمر الضابط صاحب البدلة السوداء أن ينسحب هو ومن معه، وألا يحتكوا بأيّ أحد من أهل القرية.


وهنا ملمح أخلاقي يتخلق به رجال الأمن في مصر من قديم الأزل . بأنهم حين كانت الجلبة، وهجوم الناس عليهم ومحاصرتهم، ظلوا ثابتين، ولم يرفعوا السلاح في وجه أهل القرية، ولهم كل الشكر على ذلك، وكامل التقدير والتحية.


واطمأن أهل القرية جميعًا على سلمى وجهاد والسيد عبد الرحيم، وصاروا يصافحون بعضهم بعضًا فرحين بما صنعوا.،

وهنا علينا أن ننظر إلى هذا المشهد العظيم الذي صنعه السيد عبد الرحيم وأهالي القرية وجهاد، فذلك يخبرنا أن للفضيلة نبعًا، وللحق أهلًا، هم فقط من يحملونه على رؤوسهم، وينادون به العالم بأسره، و لا تنفصل عنهم أبدًا تلك الأخلاق النبيلة والشجاعة، التي أحيانًا تكلف صاحبها حياته.

لكن لا يتركون مظلومًا وحده أبدًا، فكل هذه القيم، والتمسك بها، تصنع مجتمعًا متماسكًا، قويًّا، مترابطًا، فعّالًا، مبدعًا ومنتجًا، يخرج لنا رجالًا يعرفون معنى الرجولة، ونساءً يربين لنا هؤلاء الرجال الذين يعرفون كيف يكون الذود عن حياض هذه الأمة العظيمة :.

وأخذ جهاد بيد سلمى، ومعه السيد عبد الرحيم المحجوب، إلى داخل المنزل، فرحبت به أم جهاد وشكرته على صنيعه هو وأهل القرية.

وخرجت عزيزة أم سلمى، وسلمت عليه، فنظر إليها السيد عبد الرحيم نظرةً كلها ريبة، ولن ينطلي عليه موقفها من الحدث.

فاستأذن الجميع، وطلب أن تحضر إلى قصره غدًا السيدة عزيزة حسين بمفردها...؟!

...

بقلم / جمال فارس 

«««««««««««

🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱🌱

تعليقات