.... نبع الفضيلة والحق 🌿


 

  الكاتب_ الأديب أ.جمال فارس

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

في ثمانينيات القرن العشرين، وتحديدًا في سنة 1980، في الرابع من شهر سبتمبر، وفي إحدى القرى الصغيرة التابعة لمدينة رشيد بمحافظة البحيرة، وكما تعرفون أن هذه المدينة يلتقي عندها النيل والبحر في أجمل لوحةٍ يمكن أن تراها العين من إبداع الخالق البديع.

كان جهاد حيدر عائدًا من مدرسته بالقرية، يسير على قدميه بمحاذاة ترعةٍ صغيرةٍ لا يتعدى عرض مسطحها المائي مترين ونصف المتر. وكان جهاد في الثامنة من عمره، عائدًا إلى أمه التي كانت تسكن بيتًا صغيرًا بعيدًا عن القرية، على رأس قطعة أرض مساحتها عشرون قيراطًا، كان قد اشتراها لها زوجها، وبنى على أول قيراطين منها بيتًا صغيرًا جميلًا.

ثم توفاه الله بعد ذلك بسنوات قليلة.

وكانت أم جهاد أصلًا ليست من أهل القرية، وكان في القرية رجلٌ من وجهائها، كبير السن، يسكن على بُعد مائة متر تقريبًا في بيتٍ فخم. وكانت تلجأ إليه الناس جميعًا لتيسير أمورها وحل مشكلاتها.

وكان يُدعى السيد عبدالرحيم المحجوب، وكان محبوبًا من الناس جدًا، ودائم السؤال عن أم جهاد، ويعرفها معرفة الأب بابنته.

وفي ليلةٍ من ليالي الشتاء، في شهر ديسمبر، حيث الصقيع ودرجات الحرارة المتدنية جدًا والقريبة من الصفر، وبعد صلاة العشاء، حيث تكون هذه الأماكن في سكونٍ تام، سمعت أم جهاد طارقًا يطرق الباب.

فقالت: — من بالباب؟

فأجاب: — أنا عبدالرحيم المحجوب.

ففتحت له الباب، ونظرت فإذا بجواره امرأة، والمرأة غريبة عن أهل البلدة، وفي يديها طفلة لا تتعدى الثالثة من عمرها.

استأذن في الدخول، فدخلوا جميعًا إلى البيت.

وقصّ السيد عبدالرحيم قصة المرأة، وكان اسمها عزيزة حسين. وكانت عزيزة قد تزوجت رجلًا على غير رغبة أهلها، وأنجبت منه تلك الطفلة، ثم توفي زوجها في حادثٍ مروع.

وكانت الطفلة تُدعى سلمى.

أراد السيد عبدالرحيم أن يتفق مع أم جهاد على أن تعيش السيدة عزيزة معها هي وابنتها.

وكان يُقال إن أم جهاد تنتمي إلى عائلة كبيرة في إحدى محافظات مصر، وكانت تتمتع بأخلاقٍ عالية وكرمٍ ووفاءٍ نادرين لزوجها وابنها.

فلم تفكر كثيرًا في كلام السيد، وقالت: — على الرحب والسعة، أختي عزيزة، مرحبًا بك.

فابتهج وجه السيد، وسُرَّ كثيرًا بهذا الأمر، وقال:

— الآن عليَّ أن أنصرف، وجزاكِ الله خيرًا يا أم جهاد، وليس هذا بغريبٍ عليكِ، ولذلك أتيت إليكِ أنتِ تحديدًا. السلام عليكم.

ثم همَّ بالانصراف عائدًا إلى بيته.

وهنا بدأت أم جهاد وعزيزة في الحديث والتعارف أكثر على بعضهما البعض، وترتيب أمورهما وكيف ستكون الحياة في الأيام القادمة، وسط خشونة الطبيعة وأعمال الحقل والزراعة.

وطبعًا، عندما كان السيد عبدالرحيم موجودًا، كان الطفل جهاد حيدر يسمع ويرى كل ما يدور، وجلس يداعب سلمى الصغيرة ويلعب معها.

وبدأت الحياة تدور، وعملت الأسرتان معًا، وصارتا عائلةً واحدة، حتى إن أم جهاد كانت تقول للجيران إن عزيزة أختها من أمها.

وكانتا تزرعان الأرض بالطماطم والخيار والباذنجان والفلفل والكوسة وغيرها من الخضروات.

وكانتا تنزلان إلى القرية لبيع ما حصدتاه من الأرض، وبطبيعة الحال كانت تحدث لهما مضايقات كثيرة، وكان السيد عبدالرحيم يتدخل لحلها.

واهتمتا كثيرًا بتربية سلمى وجهاد، حتى أصبح جهاد طالبًا في كلية الهندسة، وصارت سلمى في الصف الأول الثانوي.

ونشأت بين جهاد وسلمى مشاعر حب صادقة، وكل يوم يمضي كانت تلك المشاعر تزداد قوة.

وكانت السيدتان تلاحظان ذلك، ولأنهما ربياهما على الأخلاق النبيلة والوفاء والإخلاص، فقد كان بينهما كل أدبٍ واحترام، وكلٌّ منهما يُقدِّر الآخر.

وكانا يلتقيان كثيرًا عند مدرسة سلمى بالمدينة.

وعندما رأت السيدة عزيزة أن ابنتها قد كبرت واشتد عودها، وكانت آيةً في الجمال، خافت عليها.

وبدأت تفكر في حيلةٍ لإبعادها عن هذا الشقاء وتلك الحياة الخشنة والعنيفة..!

...

    جزء (1) من رواية 

(نبع الفضيلة والحق )

يتبع.

بقلم: 

جمال فارس 

.....

7/5/2026

12.17 AM

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))