... رداء🌿
الكاتب_ الشاعر أ.عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
رداء الفحم الأبيض
بين الأمس والغدِ، انفتح البابُ فجأة..
ظهر أمامي خيالٌ غريبٌ محشورٌ في رداءٍ أبيض، جسدٌ تتنازعُه ملامحُ أمي وأبي معاً.
قال لي: "أنا أبوك يا بني".. فقاطعه الآخر بصوتٍ خافت: "بل أنا أمك، هل نسيتني؟".
فتحتُ لهما ذراعيّ بلهفة، فاختفيا فجأة.. وبقيتُ معلقاً في الفراغ، وذراعيّ ممدودتان في الهواء كأنهما انفصلا عن جسدي. كنتُ أرتجفُ، ودموعي لا تكفُّ عن السيلان.
همس الخيالُ مجدداً: "اتبعني ولا تخف..".
سألتُه: "إلى أين نذهب الآن؟"؛ وأطعتهما دون تفكير أو استئذان.
وفجأة.. وجدنا أنفسنا أمام باب دارنا القديمة، انفتح البابُ تلقائياً من غير مفتاح!
أفضى بنا الباب إلى رواقٍ طويلٍ ومظلم لم أعهده من قبل، جدرانُه موشومةٌ بيافطاتٍ كُتبت بالفحم الأسود..
في رحاب الطفولة والنقاء
كانت أيامنا تمضي بسلامٍ، حيث كانت أكبرُ أمنياتنا قطعةَ حلوى أو لعبةً صغيرة. لم نكن ندرك أن العالم خلف أسوار بيوتنا يضجُّ بالصراعات والزيف.
أيـامَ كـنّا والـبراءةُ ثـوبُـنا *** والطهرُ في أعماقِنا يترقرقُ
لا الـحقدُ يـعرفُ لـلقلوبِ طـريقةً *** كـلا ولا زيفُ الـحياةِ يُـعـلِّـقُ
دهشة البدايات
حينما كنتُ بريئاً، كنتُ أرى العالم بألوانٍ زاهية، ولم أكن أعلم أن للوجوه أقنعةً، وللكلمات مخالبَ جارحة.
كنتُ البريءَ فما عرفتُ مكيدةً *** ظنّي بـكلِّ الـعالمينَ جـميلُ
أهـدي الـورودَ لـكلِّ كـفٍّ مـرّةٍ *** نـفسي تـفيضُ بـمـا لـديَّ تـسيلُ
حين سقط القناع عن العالم
هنا كانت لحظة الاستيقاظ من حلم البراءة الجميل، واكتشاف حقيقة البشر المرّة..
يـا ليتني مـا زلـتُ طـفلاً صـادقاً *** يـبكي فـتـمسحُ دمـعَه الأحـلامُ
عـرفتُ حـين كبُرتُ أنَّ براءتي *** جُـرحٌ، تـقـاتلُ نـصـلَه الأيـامُ
البراءة ليست ضعفاً، بل هي تلك الفطرة النقيّة التي نتمنى استعادتها كلما أرهقتنا تعقيدات الحياة وزيفها.
فأين الهروبُ والقلبُ قد ضاق بـأقنعتهم؟ وأين الزمانُ الذي كانت فيه الابتسامة تخرج من أعماق القلب، لا من طرف الشفاه فقط؟
"لقد كبرتُ وتغير العالم، لكنني لليوم.. ما زلتُ أحملُ في قلبي أطيافَ الرِّواقِ العتيق وبراءة الأمس الراحل."
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق