... بكاء🌿


 

  الكاتبة_ الشاعرة أ. عبير جلال

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

بكاء أم في صمت

كنت أظن أن الأمومة لا تُقاس بعدد السنوات،

بل بما نزرعه في قلوب أبنائنا من حب وحنان.

لهذا أعطيت عمري بلا حساب،

لم أدخر لحظة واحدة لنفسي،

وهبت وقتي وصحتي وراحتي لفلذات كبدي،

دون أن أشعر يومًا بالندم.

تمر الذكريات أمامي الآن كشريطٍ سينمائي طويل،

يحمل بين مشاهده كل لحظة عشتها معهم…

أتذكر سعادتي يوم علمت بخبر حملي،

كيف ارتجف قلبي فرحًا،

وكيف تحملت آلامًا كانت تعتصرني بصمت،

حتى جاءت لحظة المخاض،

تلك اللحظة التي كانت فيها الآهات تشق الجبال 

من شدة الألم،

لكنها انتهت بوصولهم إلى الدنيا،

فوصلت معهم فرحتي بالحياة.

ما زلت أتذكر ملامحهم الصغيرة البريئة،

أصابعهم الدقيقة،

ضحكاتهم الأولى،

وعيونهم التي كانت تتعلق بي

 وكأنني العالم بأكمله.

تنهدت…

وخرج من صدري نفسٌ ثقيل

يحمل ألمًا مكتومًا،

وبكاءً يصرخ في صمت،

لا يسمعه أحد

سوى نبضات قلبي المتعبة.

في ليلة دافئة من ليالي الشتاء الباردة،

جلست على فراشي أبحث عن بعض الدفء،

أمسكت بفنجان قهوتي الساخن،

فقد أصبح ونيس وحدتي الوحيد.

فتحت خزانتي القديمة،

وأخرجت صور أبنائي الباهتة،

تأملت وجوههم طويلًا…

كانوا يومًا عصافير الجنة،

يدورون حولي بضحكاتهم وضجيجهم الجميل.

تذكرت كيف كنت أحملهم واحدًا تلو الآخر،

وكيف سهرت الليالي بجوارهم في مرضهم،

أراقب أنفاسهم بخوف،

وأمسح عن جباههم المرتعشة حرارة الحمى برفق وحنان،

بينما كانت عيناي تفيضان بالدموع خوفًا عليهم.

كم ليلةٍ انهرت فيها من شدة الإرهاق،

لكنني كنت أقاوم تعبي لأجلهم.

كنت أستيقظ كل صباح قبل الجميع،

أعد لهم الطعام بيدٍ مرهقة،

وقلبٍ ممتلئ بالدعاء،

أخفي تعبي خلف ابتسامتي الهادئة

حتى لا يشعروا بثقل الحياة.

كنت أؤجل أحلامي دائمًا،

وأهمس لنفسي:

“أحلامهم أهم مني…”

وحين كان التعب يتسلل إلى روحي،

كنت أقول بثقة الأم البسيطة:

“حين يكبرون سأرتاح…”

لكن الراحة

لم تأتِ أبدًا.

كبروا سريعًا،

وتفرقت الطرق بينهم وبيني،

لكل واحدٍ حياته،

وأصدقاؤه،

وانشغالاته،

أما أنا…

فبقيت وحيدة.

أجلس على فراشي بصمت،

أستند إلى وسادتي،

ويجلس بجواري فنجان القهوة والتلفاز،

كأنهما صديقا وحدتي الطويلة.

أنظر إلى المرآة فأرى امرأة أنهكها العمر،

خطواتها أصبحت بطيئة،

وصوتها يرتجف من التعب،

وعيناها تخبئان حزن سنوات كاملة.

أسأل نفسي أحيانًا:

أين ذهبت روحي؟

ولماذا لم تعد كما وعدتني؟

كنت أظن أنني سأستعيد نفسي حين يكبر أبنائي،

لكنني اكتشفت أنني تركت عمري كله في طريق تربيتهم.

أتذكر يوم بعت خاتمي

حتى أدفع مصاريف المدرسة،

وحين سألني زوجي عنه

ابتسمت ابتسامة مكسورة وقلت:

“وضعته في مكانٍ ما ونسيته…”

لكنني لم أنسَ شيئًا،

كنت فقط أخفي وجعي

حتى لا يتألموا.

حتى الطعام،

كنت أضع أفضل ما فيه أمامهم،

وأكتفي ببقايا باردة،

ثم أضحك قائلة:

“شبعت الحمد لله.”

مرت السنوات سريعًا،

وأصبحت أفرح برنة هاتفي

كما يفرح الطفل بالعيد،

لكن الهاتف نادرًا ما يرن.

وحين أتصل بأحدهم

أسمع صوته على عجلة:

“كيف حالك يا أمي؟

سامحيني… مشغول قليلًا، سأحدثك لاحقًا.”

ثم يرحل صوته سريعًا،

وتأخذه الأيام بعيدًا،

ويبقى قلبي معلقًا بانتظار مكالمة قد لا تأتي.

كنت أغلق الهاتف ببطء،

وأبتسم رغم انكسار قلبي،

وأقول:

“مسكين… مشغول، ربنا يوفقه.”

حتى حزني

كنت ألتمس لهم فيه الأعذار.

في تلك الليلة،

كان المطر يتساقط بقوة على زجاج شرفتي،

يشبه عمري الذي مر سريعًا دون أن أشعر.

سألت نفسي بحرقة:

هل أخطأت حين منحتهم عمري كله؟

هل أخطأت حين حققت أحلامهم

وتركت أحلامي تموت بصمت؟

هل كان يجب أن أحتفظ ببعض الحب لنفسي؟

لكن قلب الأم

لا يعرف القسوة،

حتى على من قسا عليه.

رفعت يدي المرتجفتين إلى السماء،

ودعوت بصوت مختنق بالبكاء:

“يارب…

لا تجعلهم يشعرون يومًا بهذه الوحدة،

ولا تكسر قلوبهم كما انكسر قلبي في غيابهم.”

وبكيت…

ليس لأنني أريد شيئًا من الدنيا،

بل لأنني للمرة الأولى

شعرت أنني أصبحت ذكرى

في حياة من كانوا يومًا

كل حياتي.

أغلقت عيني،

وتركت الدموع تنساب في صمت،

حتى غلبني النعاس.

وفي الصباح…

استيقظت على صوت طرقاتٍ خفيفة على الباب.

أسرعت أمسح دموعي،

وفتحت الباب،

فإذا بأحد أبنائي يقف أمامي.

ابتسمت له ابتسامتي القديمة،

وضممته إلى صدري طويلًا،

وكأنني أستعيد منه عطر الحياة من جديد.

حينها فقط أدركت…

أن الأمومة لا تُقاس بعدد السنوات،

بل بقدرة قلب الأم

على الحب،

حتى بعد كل الخذلان.

✍️ بقلم / عبير جلال

الإسكندرية

15 / 5 / 2026


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))