.... تراتيل🌿



  الكاتب_ الأديب أ. عبد الفتاح الطياري

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

 تراتيل الخطى المتعثرة

​يوماً بعد يوم، أدرك أن هذا الطريق ليس مجرد مسافة تُقطع، بل هو ترويضٌ قسريّ لهذا الجسد المتمرد. أراقبُ قدميَّ وهما ترتطمان بالأرض، فأسمع صرخة صامتة تنبعث من أخمص القدم، لترتدّ موجاتٍ من الألم الحاد تخترق ساقيَّ وتستقر في أسفل عنقي. ركبتايَ تزدادان تيبساً مع كل فجر، ووركايَ يصدران طقطقةً غريبة كخشب سفينة قديمة تصارع العاصفة، بينما تتشنج أكتافي تحت وطأة حقيبةٍ يبدو أنها تزداد ثقلاً بمرور الساعات.

​لكن العذاب الجسدي، على ضراوته، ليس هو الخصم الحقيقي.

​إن التحدي الأكبر يكمن في تلك المحاورة الذهنية التي لا تنتهي؛ في البحث عن القوة التي تجبرني على قبول هذا البطء الشديد. في هذه القفار الممتدة، يبدو أن العالم يتمدد بكسل، والمسافات تترهل أمام عيني، مما يعيدني مراراً إلى حقيقة "ضآلتي". أنا لست سوى نقطة تتحرك في فراغٍ كوني، نقطة تخشى في كل لحظة أن تفقد صوابها أو تبتلعها دوامة السكون.

​أمضي، وتتراكم خطواتي فوق آلاف الخطى السابقة. هناك "الخطوات الضاحكة" التي مشيتها تحت شمس الصباح الدافئة، و"الخطوات الثقيلة" الملطخة بطين الشتاء، وتلك الخطوات التي كانت تلتصق بالأسفلت الحار أو تئنّ فوق الحصى المدبب. هناك الخطوات التي كانت تتسارع عند مشارف القرى، مدفوعةً بأملٍ مجنون في الراحة، والخطوات اليائسة التي كانت تود لو تتوقف فجأة، وتترك الجسد يذوي وسط بركة من الماء والنسيان.

​المشي يقودني إلى هاوية العزلة، لكنه أيضاً يرمي بي في أحضان سعادةٍ غامرة لا تفسير لها. إنه يغمسني، تارةً بعد تارة، في حالاتٍ من التأمل الصوفي، أو اللامبالاة المطلقة، وأحياناً في نشوةٍ تجعلني أشعر أن العالم كله يقع تحت قدمي.

​أنا لا أمشي لأصل، بل أمشي لأهدم هذا الكيان القديم، وأبني من حطام التعب إنساناً جديداً، يعرف كيف ينسجم مع إيقاع الأرض.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))