.... يخرج🌿
الكاتب_الشاعر أ. عاشور مرواني
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
يخرجُ من جيبي نهارٌ صغير
في جيبي نهارٌ صغير،
أُخرجه كلّما
ازدحمتِ السماءُ
بالغبارِ الرسميّ
وبالمواعيدِ التي لا تصل.
أضعُه على الطاولة،
فيضيءُ الكوبَ،
ويدَ أمّي في الصورة،
والمفتاحَ الذي لا يفتحُ غيرَ قلبي.
أنا لا أسكنُ البيتَ وحدي،
تسكنني أيضًا
مقاعدُ قديمة،
ورسالةٌ لم أرسلها،
وقميصٌ علّقته الحربُ
على مسمارِ النافذة،
ثم نسيتْ أن تعودَ لأخذه.
كلُّ شيءٍ هنا
له ظلّان:
ظلٌّ يراه الناس،
وظلٌّ يذهب ليلًا
ليزورَ موتاه.
حتى أنا،
لي ظلٌّ يسبقني إلى المرآة،
يرتّب وجهي،
ويهمس للزجاج:
هذا الرجلُ
لا يزال يتظاهرُ
بأنّه أقلُّ انكسارًا
ممّا هو عليه.
في المطبخ
تنشفُ الصحونُ ببطء،
كأنّها خرجت للتوّ
من معركةٍ بحريّة.
وفي الغرفة
تسعلُ الساعةُ
كلَّ دقيقة،
كعجوزٍ يعرف
أنّ الوقتَ ليس دواءً
بل عادة.
أفتحُ النافذة،
فيدخلُ شارعٌ كامل:
بائعُ الخبز،
وولدٌ يركض خلف إطار،
وامرأةٌ تحمل المساء
في كيسِ خضار،
وجنديٌّ يمرّ
كأنّه خطأٌ إملائيّ
في جملةِ المدينة.
أغلقها،
فلا يخرجُ الشارع،
يبقى عالقًا في الستارة
مثل أغنيةٍ
لا تعرف أين تنتهي.
أنا من أولئك
الذين إذا أحبّوا
لم يقولوا: أحبّكِ،
بل صاروا أكثرَ انتباهًا
للأشياء الصغيرة:
يعدّلون ميلَ المزهرية،
ويفسحون للمطر مكانًا على الشرفة،
ويتركون بابَ الكلام
مواربًا
لكي تدخل منه طمأنينةٌ
بلا صوت.
وحين رحلتْ
لم ينكسرْ شيءٌ واضح.
لم تسقطِ الملاعق،
ولم تنطفئِ المصابيح،
لكنّ الهواء
صار يلبس معطفًا ثقيلًا،
وصارت الوسادةُ
تعرف أكثرَ ممّا ينبغي
عن اليقظة.
منذ ذلك الوقت
وأنا أرتّب وحدتي
كما يرتّب موظفٌ مهذّب
أرشيفَ كارثة:
هذه خسارةٌ قديمة،
وهذه حسرةٌ يوميّة،
وهنا
ملفٌّ كامل
بعنوان:
أشياءُ كان يمكن إنقاذُها
لو أنّ أحدًا
وصل قبلَ الصمتِ بدقيقة.
أنا لا أكتب
لأنّ اللغةَ هواية،
أكتب
لأنّ الكلماتِ
حين لا تجدُ ورقًا
تعضُّ صاحبها.
في حنجرتي
درجٌ طويل،
يصعد عليه الناجون متعبين،
ويجلسون قليلًا
ثم يكملون نحو الصرخة.
وفي صدري
مدينةٌ منسيّة،
إذا أرخيتُ رأسي
سمعتُ إشاراتِ المرور فيها،
وسمعتُ أمّي
تنادي على طفلٍ
تأخّر ثلاثين سنة
عن العودة.
كلّنا نتأخّر،
بشكلٍ أو بآخر.
نتأخّر عن فهم آبائنا،
وعن إنقاذ أصدقائنا،
وعن قول الجملة الصحيحة
في الوقت الصحيح.
ثم نقضي ما تبقّى من العمر
نلمّع الندمَ
كأنّه إرثٌ ثمين.
لكنّني،
رغم هذا الخرابِ المنظّم،
ما زلت أزرع في جيبي
ذلك النهارَ الصغير.
أسقيه من ضحكةِ طفل،
ومن قهوةٍ مرّة،
ومن شجرةٍ نجتْ
بأعجوبةٍ
من منشارِ البلديّة،
ومن امرأةٍ
مرّت قربَ روحي ذات مساء
وقالت للعتمة:
تنحّي قليلًا،
ففي هذا الرجل
مكانٌ صالحٌ للحياة.
وأنا أصدّق مثل هذه الجمل،
لا لأنّي ساذجٌ،
بل لأنّ القلبَ
حين يتعب من الحقيقة وحدها
يحتاج إلى كذبةٍ رحيمة
تجلسه قربَ النافذة
وتقول له:
انظر،
ما زال في العالم
عصفورٌ
يجرّب صوتَه
كأنّ النهاية
إشاعة.
فإذا سألتني:
من أكون؟
قلت:
أنا شخصٌ
يحمل بيتَه في حنجرته،
ويمشي.يخرجُ من جيبي نهارٌ صغير
في جيبي نهارٌ صغير،
أُخرجه كلّما
ازدحمتِ السماءُ
بالغبارِ الرسميّ
وبالمواعيدِ التي لا تصل.
أضعُه على الطاولة،
فيضيءُ الكوبَ،
ويدَ أمّي في الصورة،
والمفتاحَ الذي لا يفتحُ غيرَ قلبي.
أنا لا أسكنُ البيتَ وحدي،
تسكنني أيضًا
مقاعدُ قديمة،
ورسالةٌ لم أرسلها،
وقميصٌ علّقته الحربُ
على مسمارِ النافذة،
ثم نسيتْ أن تعودَ لأخذه.
كلُّ شيءٍ هنا
له ظلّان:
ظلٌّ يراه الناس،
وظلٌّ يذهب ليلًا
ليزورَ موتاه.
حتى أنا،
لي ظلٌّ يسبقني إلى المرآة،
يرتّب وجهي،
ويهمس للزجاج:
هذا الرجلُ
لا يزال يتظاهرُ
بأنّه أقلُّ انكسارًا
ممّا هو عليه.
في المطبخ
تنشفُ الصحونُ ببطء،
كأنّها خرجت للتوّ
من معركةٍ بحريّة.
وفي الغرفة
تسعلُ الساعةُ
كلَّ دقيقة،
كعجوزٍ يعرف
أنّ الوقتَ ليس دواءً
بل عادة.
أفتحُ النافذة،
فيدخلُ شارعٌ كامل:
بائعُ الخبز،
وولدٌ يركض خلف إطار،
وامرأةٌ تحمل المساء
في كيسِ خضار،
وجنديٌّ يمرّ
كأنّه خطأٌ إملائيّ
في جملةِ المدينة.
أغلقها،
فلا يخرجُ الشارع،
يبقى عالقًا في الستارة
مثل أغنيةٍ
لا تعرف أين تنتهي.
أنا من أولئك
الذين إذا أحبّوا
لم يقولوا: أحبّكِ،
بل صاروا أكثرَ انتباهًا
للأشياء الصغيرة:
يعدّلون ميلَ المزهرية،
ويفسحون للمطر مكانًا على الشرفة،
ويتركون بابَ الكلام
مواربًا
لكي تدخل منه طمأنينةٌ
بلا صوت.
وحين رحلتْ
لم ينكسرْ شيءٌ واضح.
لم تسقطِ الملاعق،
ولم تنطفئِ المصابيح،
لكنّ الهواء
صار يلبس معطفًا ثقيلًا،
وصارت الوسادةُ
تعرف أكثرَ ممّا ينبغي
عن اليقظة.
منذ ذلك الوقت
وأنا أرتّب وحدتي
كما يرتّب موظفٌ مهذّب
أرشيفَ كارثة:
هذه خسارةٌ قديمة،
وهذه حسرةٌ يوميّة،
وهنا
ملفٌّ كامل
بعنوان:
أشياءُ كان يمكن إنقاذُها
لو أنّ أحدًا
وصل قبلَ الصمتِ بدقيقة.
أنا لا أكتب
لأنّ اللغةَ هواية،
أكتب
لأنّ الكلماتِ
حين لا تجدُ ورقًا
تعضُّ صاحبها.
في حنجرتي
درجٌ طويل،
يصعد عليه الناجون متعبين،
ويجلسون قليلًا
ثم يكملون نحو الصرخة.
وفي صدري
مدينةٌ منسيّة،
إذا أرخيتُ رأسي
سمعتُ إشاراتِ المرور فيها،
وسمعتُ أمّي
تنادي على طفلٍ
تأخّر ثلاثين سنة
عن العودة.
كلّنا نتأخّر،
بشكلٍ أو بآخر.
نتأخّر عن فهم آبائنا،
وعن إنقاذ أصدقائنا،
وعن قول الجملة الصحيحة
في الوقت الصحيح.
ثم نقضي ما تبقّى من العمر
نلمّع الندمَ
كأنّه إرثٌ ثمين.
لكنّني،
رغم هذا الخرابِ المنظّم،
ما زلت أزرع في جيبي
ذلك النهارَ الصغير.
أسقيه من ضحكةِ طفل،
ومن قهوةٍ مرّة،
ومن شجرةٍ نجتْ
بأعجوبةٍ
من منشارِ البلديّة،
ومن امرأةٍ
مرّت قربَ روحي ذات مساء
وقالت للعتمة:
تنحّي قليلًا،
ففي هذا الرجل
مكانٌ صالحٌ للحياة.
وأنا أصدّق مثل هذه الجمل،
لا لأنّي ساذجٌ،
بل لأنّ القلبَ
حين يتعب من الحقيقة وحدها
يحتاج إلى كذبةٍ رحيمة
تجلسه قربَ النافذة
وتقول له:
انظر،
ما زال في العالم
عصفورٌ
يجرّب صوتَه
كأنّ النهاية
إشاعة.
فإذا سألتني:
من أكون؟
قلت:
أنا شخصٌ
يحمل بيتَه في حنجرته،
ويمشي.
كلّما ضاقت الأرضُ
فتح زرَّ قميصه
وأخرج منها
شارعًا،
وأمًّا،
وحبًّا قديمًا،
ونهارًا صغيرًا
يكفي
لكي لا ينطفئ تمامًا.
عاشور مرواني
شاعر وأديب
وحاملُ هذا النهار الصغير
كلّما ضاقت الأرضُ
فتح زرَّ قميصه
وأخرج منها
شارعًا،
وأمًّا،
وحبًّا قديمًا،
ونهارًا صغيرًا
يكفي
لكي لا ينطفئ تمامًا.
عاشور مرواني
شاعر وأديب
وحاملُ هذا النهار الصغير

تعليقات
إرسال تعليق