... صلاة العم🌿


 

  الكاتب_ الأديب أ. عبد الفتاح الطياري

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

صلاة العم صالح 

كان "العم صالح" قد جاوز المائة عام، رجلٌ نحيلٌ كغصن زيتونٍ عتيق، صمد أمام تقلبات الزمن حتى غدت ذاكرته غابةً كثيفة من الضباب. في بيته الصغير الذي تفوح منه رائحة البخور والكتب القديمة، كان الوقت بالنسبة له قد توقف عند لحظة ما، أو ربما تداخلت فيه الساعات والأيام.

​اعتاد أهل الحي أن يسمعوه في كل فجرٍ، حين يرتفع صوته الخافت المرتجف ليردد الأذان في باحة داره، مستعيداً طقساً لم يغادره يوماً. ولكن، ومنذ أسابيع، تغير شيءٌ في صوته؛ صار يخلط بين الكلمات، لا تعمداً، بل لأن قلبه المثقل بتعب السنين أصبح يرى في الرحيل خلاصاً.

​في ذلك الصباح، وبينما كان الفجر يتنفس خيوطاً رمادية فوق أسطح البيوت، وقف العم صالح يتكئ على عصاه، يرفع وجهه نحو السماء، وصاح بصوته المتهدج: "الله أكبر.. الله أكبر.. الصلاة خيرٌ من النوم.."

​توقف للحظة، ارتعشت شفته، ثم أضاف بصوتٍ مخنوقٍ بالصدق المرير: "الصلاة خيرٌ من الموت.. الصلاة خيرٌ من الموت.."

​لم يكن خطأً لسانياً بقدر ما كان نداءً روحياً. بالنسبة لصالح، كان "النوم" الذي يذكره المؤذن لِيُنبّه الغافلين، قد تحول في نظره إلى استعارةٍ للموت الذي يترصده. كان يقول لنفسه وللعالم: إن السجود لله هو النجاة الوحيدة من وحشة الفناء، هو الخيط الذي يربطه بالبقاء في عالمٍ بدأ يغادره أصدقاؤه واحداً تلو الآخر.

​دخلت حفيدته "غادة" عليه، فوجدته جالساً على سجادته، يمسح دمعةً سقطت على لحيته البيضاء. سألته برفق: "جدي، لقد قلتَ 'الصلاة خيرٌ من الموت' بدلاً من النوم، هل أنت بخير؟"

​نظر إليها بعينين غائمتين كبحرٍ هادئ، وابتسم ابتسامةً خفيفة كأنها بقايا فجر، ثم أجاب بصوتٍ بالكاد يُسمع: ​"يا بنيتي، حين يبلغ المرء المائة، يصبح الفارق بين الغفوة والرحيل شعرةً لا يراها إلا من أطال السجود. الصلاة هي التي تجعلني حياً، هي التي تجعلني لا أخاف الموت؛ فمن كان مع الله في صلاته، لا يهمه إن كان ما ينتظره هو النوم أو الموت.. كلاهما في حضرته سلام."

​منذ ذلك اليوم، لم يعد أهل الحي يصححون له، بل صاروا يقفون في شرفاتهم كل فجر، ينصتون لذلك الصوت الذي يمزج بين الخوف من النهاية ورجاء الله، يدركون أن العم صالح لا يخلط بين الكلمات، بل يترجم لهم ما يعنيه حقاً أن تعيش مائة عامٍ وأنت تنتظر لقاء ربك.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))