.... جزاء الاحسان🌿


 

   الكاتب_ الشاعر أ.

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

جزاء الاحسان

في زاوية منسية من بيتٍ هادئ، كان "منصور" يعيش حياته كآلة وترية صامتة، تنتظر لمسة الآخرين لتصدر صوتاً. لم يكن منصور رجلاً سيئاً، بل كان يمتلك طبيعةً تميل إلى الهدوء حدَّ التلاشي. في قاموسه الخاص، كان الامتثال ليس ضعفاً، بل "فلسفة للسلام"؛ كان يظن أن الطاعة هي درعٌ يحمي البيت من العواصف، وأن التنازل عن الرأي هو جسرٌ يقطع به مسافات الخلاف.

​كانت زوجته، "سهام"، امرأةً ذات صوت جهوري وإرادة تشق الصخر. بدأت حياتهما كدوي عذب، لكن سرعان ما تحولت الأدوار. مع كل طلبٍ كانت تمليه، كان منصور يبتسم انصياعاً، ويقول في نفسه: "لأجل الصفاء، سأكون الوتر الذي لا ينقطع". لكن هذا الصفاء لم يكن سوى تراكمٍ صامت، مثل طبقات غبار تستقر فوق بيانو قديم.

​لم يدرك منصور أن كل تنازل كان بمثابة حجر يضعه في أساس "ركح" (مسرح) يبنونه معاً دون أن يشعر. لم تكن سهام وحدها من تصعد على هذا الركح، بل انضم إليها الأبناء، والأنسباء، وحتى الظروف المحيطة. كل فرد في محيطه بدأ يرى في منصور "المنصة المثالية"؛ المكان الذي يمكنهم عليه عزف ألحانهم الخاصة، فرض رغباتهم، وتفريغ توتراتهم.

​تحول بيته من مساحة للعيش إلى خشبة مسرح، حيث يُطلب من منصور أن يؤدي دور "الزوج المطيع"، "الأب الخاضع"، و"القريب الذي لا يغضب". وكلما زاد تصفيقهم، زاد ثقل الأدوار على كاهله.

​مع مرور الوقت، لم يعد منصور يرى في طاعته "فلسفة للسلام"، بل تحولت إلى ما يشبه الركويم (Requiem). لقد أدرك متأخراً أن هدوءه لم يمنع العواصف، بل جعل منه ضحيةً لها.

​اللحن الأول خيبة... بدأ يشعر أن روحه قد استُهلكت تماماً لتلبية أذواق الآخرين، حتى نسي هو ذاته كيف يعزف لحنه الخاص.

​اللحن الثاني عزلة... وجد نفسه غريباً في منزله، محاطاً بأشخاص يصفقون له طالما كان مطيعاً، ولكنهم يجهلون تماماً من هو منصور حين يصمت.

​اللحن الثالث انهيار... بدأت سمفونية الموت تعزف مقاطعها الأخيرة؛ الموت ليس دائماً جسدياً، بل هو موت الشغف، موت الرغبة، وموت "الأنا" التي ذابت تحت أقدام الآخرين.

تلاشى "منصور" تدريجياً من ذاته، حتى صار كـ "ممسحة" مهترئة يمسح بها الجميع أوحال حياتهم، يمتص طموحاتهم المحبطة وخيباتهم المتراكمة. لم يعد انصياعه خياراً، بل تحول إلى وجودٍ "استلابي"؛ حيث صار لا يملك من أمره شيئاً سوى أن يكون المكان الذي تُلقى فيه أوساخ أرواحهم. ومع كل عملية "مسح" يقوم بها لآلامهم، كان يفقد جزءاً من كرامته، حتى أضحى مجرد قطعة قماش بلا هوية، موجودة فقط لخدمة نظافة الآخرين، بينما هو يغرق في قذارة الصمت والذل.

أما الهدية التي نالها مقابل هذا الاندثار، فكانت 'سمفونية نكران الجميل'. تعالت أصوات الأوركسترا المحيطة به، لا لتعزف لحن الشكر، بل لتعزف على أوتار استغلاله. كانت موسيقاهم حادةً وقاسيةً ومليئةً بالتعالي؛ إذ كان كل نجاحٍ يحققونه بفضله يُقابَل بتجاهلٍ متعمدٍ لوجوده، وكأن عطاءه حقٌّ مكتسب، وتضحياته محضُ فراغٍ لا قيمة له. وهكذا، نعتوه بالغريب عن العائلة المقربة."

​هنا تجلت المأساة فيما يمكن تسميته بـ "الموت اللذيذ"؛ تلك المرارة المسمومة التي بدأ منصور يتجرعها ببطء، مستمتعاً – في لحظات جنونٍ ويأس – بمدى عمق السقوط الذي وصل إليه. لقد كان يرى في شماتة الآخرين، وفي نظراتهم التي تخلو من أي احترام، مرآةً تعكس له "فشلَه في أن يكون إنساناً". كانت مرارته تتزايد كلما رأى في عيونهم انتصاراً بارداً، انتصاراً قام على أنقاض كبريائه، مما جعل موته النفسي يبدو كقربانٍ أخير يقدمه لجلاديه، بينما هم يرقصون على إيقاع ضياعه، غير مبالين بأن الركح الذي يقفون عليه قد بدأ ينهار تحت ثقل جحودهم.

​وقف منصور ذات ليلة وسط الركح الذي بناه بيده، الركح الذي تحول إلى قفصٍ من الخشب والوعود الزائفة. نظر إلى زوجته والمحيطين به، وجدهم لا يزالون يطلبون منه أن يعزف ألحانهم.

​أدرك في تلك اللحظة أن السلم الذي كان يظنه فلسفةً، كان في الحقيقة تضحيةً بالذات على مذبح الآخرين. لقد استمر في العزف حتى تآكلت أوتاره، ولم يبقَ منه سوى صدى "قداس" مهيب لروحٍ أبت أن تعيش لنفسها، فماتت وهي تحاول إرضاء أوركسترا لا تعرف الرحمة.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))