.... من القادم🌿


 

  الكاتب الشاعر أ. ماهر اللطيف

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

من القادم...؟


بقلم: ماهر اللطيف/ تونس 


أثناء زيارتي إلى العاصمة الأسبوع الفارط لقضاء شأن من شؤوني، زرت صديقًا لم أره منذ مدة، فوجدته مقعدًا على كرسي متحرك. صُدمت، تألمت، وحزّ في نفسي ذلك المنظر. سألته عمّا أصابه، فطلب مني التريّث إلى ما بعد الغداء.


جلسنا في حديقة منزل والديه، شربنا الشاي، ثم التفت إليّ قائلًا بنبرة جادّة:

"انتبِه… ولا تقاطعني."

فرك يديه، بسمل، ثم قال بصوت خافت:


"سأعود بك إلى ثلاث سنوات مضت… اليوم الثالث من الشهر السابع. كنت في بيتي مع عماد، نتصفح مواقع التواصل، بعد أن أنهكنا البحث عن عمل.


استوقفنا منشور لامرأة في الأربعين، ثرية، أرملة ثلاث مرات… مات أزواجها تباعًا بعد مدة قصيرة من الزواج. كانت تبحث عن رابع… لتنجب وريثًا.


انهالت التعليقات سخرية:

"اتقي الله في شباب البلاد!"

"افتحي مقبرة وارتاحي!"

"من يتزوجك يكتب وصيته أولًا!"

ضحكوا… وضحكتُ معهم.

لكن عماد لم يكتفِ بالضحك… كتب:

"أنا مستعد."


توالت الردود عليه استهزاءً، فالتفت إليّ ضاحكًا وقال:

"لن أعيش مرتين… والموت واحد."


لم تمضِ أيام حتى تعرّف عليها. قال إنها جميلة، بشوشة، كريمة… وأحبها. تمّ الزواج بسرعة.


في ليلة الزفاف، امتلأت القاعة بالناس، أكلوا، شربوا، رقصوا… حتى انتصف الليل.

فجأة، أمسك عماد صدره. تغيّر لون وجهه. تعرّق بشدة. صرخ… ثم سقط.

نقلناه إلى المستشفى… لكنه توفي إثر جلطة قلبية."


صمت قليلًا. شعرت ببرودة تسري في جسدي. همست:


"تمزح… أليس كذلك؟"


رمقني بنظرة قاطعة:

"هل يُمزح في الموت؟"


بلعت ريقي بصعوبة.


تابع:

"في المستشفى، كنّا في حالة يرثى لها. نلومها في سرّنا، ونتطير منها. اقتربت مني وقالت:


"أنت غيلان… صديقه المقرّب؟"


أجبتها وأنا أرتجف. ابتسمت، وقالت:

"ما أجملك… سأهتم بك لاحقًا."


اختنق نفسي. حاولت الابتعاد… ركضت. لكن بعد أمتار، خانتني ساقاي. سقطت.

حين أفقت، أخبرني الأطباء أني لن أمشي مجددًا."


سكت لحظة… ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال:

"حمدت الله… أنها اكتفت بالإعجاب فقط."


شعرت بدوار خفيف. أدخلت يدي في جيبي، أخرجت صورة، وناولته إياها:

"لي معها موعد بعد ساعة… أحببتها… ونويت الزواج بها."


أخذ الصورة، حدّق فيها طويلًا… ثم رفع عينيه نحوي، وقال بهدوء:

"لا تنسَ أن تمرّ على الحانوت…

وتحجز كفنًا بدل بدلة زفاف."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))