.... الطيور المهاجرة🌿

 

 الكاتب_ الشاعر أ.  عبد الفتاح الطياري

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

الطيور المهاجرة

في أقصى الشمال الغربي من طبرقة، حيث يطول الشتاء حتى يظنه الناس فصلاً خامسًا لا ينتهي، كانت الريح تعوي بين صخور البحر كأنها تقرأ أسماء الغائبين. هناك، تعلّق الأهالي بحكايات الطيور المهاجرة كما يتعلّق الغريق بخشبة نجاة، ينسجون حولها أساطير تقيهم برد الأيام ووحشة الليالي.

كانوا يقولون إن أول من علّمهم الإصغاء إلى السماء صيادٌ عجوز اسمه سالم. ذات مساء، بينما كانت الغيوم تلامس قمم الجبال، رأى سربًا من طيور النحام الوردي يحلّق فوق الميناء، أجنحته بلون الغروب، فتمتم: “إنها تعود لتُحصي أسماءنا.”

ومنذ ذلك الحين، صار أهل المدينة يؤمنون بأن أجنحة الطيور ليست مجرد ريش وعظم، بل صفحات شفافة يدوّن عليها إله العالم السفلي سجلّ الأحياء والأموات. كلما خفقت أجنحة سنونوة فوق السطوح، تخيّلوا أنها تقلّب صفحات خفية، تراجع أسماء الذين رحلوا في الشتاء الطويل، وتضيف أسماء المواليد الجدد مع أول دفء للربيع.

كانت مريم، ابنة سالم، تقف كل فجر على حافة الجرف المطلّ على البحر. تنتظر عودة السنونو، ذاك الطائر الصغير الذي يشبه سهمًا أسود يخترق الضباب. كانت تؤمن أن روح أمها، التي اختطفها البرد ذات شتاء قاسٍ، تسافر مع تلك الطيور، وأنها حين تحطّ على الأسلاك وتغرّد، إنما تهمس لها باسمها.

وذات ليلة، اشتدّ البرد حتى تجمّد الماء في الجرار، وخُيّل للناس أن الشمس لن تعود. اجتمعوا في الساحة الصغيرة، وأشعلوا نارًا كبيرة، وأخذوا يروون حكاية قديمة: أن إله الجحيم، حين ملّ من عتمته، خلق الطيور المهاجرة لتكون رسله بين العالمين؛ تحمل على أجنحتها أسماء البشر، فإذا امتلأت الأجنحة بالأسماء الثقيلة، عادت إلى السماء، وغسلتها في نور القمر، ثم رجعت خفيفة، مستعدة لدورة جديدة من الحياة والموت.

في تلك الليلة بالذات، انشقّ الضباب عن سرب من طيور النحام، حطّ عند حافة البحر كأنّه وردة عملاقة. وقف سالم بينهم، رفع رأسه، وأحسّ بشيء دافئ يسري في صدره. رأى، أو خُيّل إليه أنه يرى، خطوطًا دقيقة من نور على أطراف الأجنحة، كأنها حروف لا تُقرأ إلا بالقلب.

صرخت مريم: “انظروا! لقد عاد الربيع!”

ولم يكن الربيع قد حلّ بعد، لكن في أعينهم اشتعل دفء غامض.

منذ ذلك الحين، كلما مرّ سربٌ فوق طبرقة، يخرج الناس من بيوتهم، يرفعون وجوههم للسماء، لا ليعدّوا الطيور، بل ليطمئنوا أن أسماءهم ما زالت مكتوبة بخفّة، وأن أجنحة السنونو والنحام ما زالت قادرة على حملها.

وهكذا، صارت الطيور في تلك المدينة أكثر من كائنات مهاجرة؛ صارت ذاكرةً تطير، وسجلًا سماويًا يربط بين البحر والسماء، بين الأحياء ومن سبقوهم إلى الضفة الأخرى. وفي كل شتاء طويل، حين يثقل الصمت، يكفي أن يخفق جناح في الأعالي، حتى يتذكّر أهل طبرقة أن للحياة دورةً، وأن للبرد نهاية، وأن الأسماء، مهما أثقلها الحزن، تجد دائمًا طريقها إلى الضوء.

بقلمي عبدالفتاح الطياري -ت


ونس


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))