.... رباعيات🌿
الكاتب_ الشاعر أ. عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
رباعيات الخيانة
1.المرأة المكسورة: حين يشيخ النسيج
عاش سالم وحرة عشر سنوات في كنف هدوءٍ وادع، حتى غدا في أعين الجميع "الزوجين المثاليين". كانت حرة هي الشراع الذي طوى طموحاته المهنية ليرعى مركب العائلة وأطفالها الثلاثة، بينما كان سالم الربان الذي شق طريقه نحو النجاح مستنداً إلى سكينة بيته.
لكن التصدعات بدأت بتفاصيل ضئيلة، لا تكاد تُرى بالعين المجردة: هاتف سالم الذي تحول إلى ظلٍّ لا يفارقه حتى في مخدعه، كلمة سرّ جديدة فُرضت تحت ستار "خصوصية العمل"، واجتماعات مسائية طارئة نبتت فجأة كالأعشاب الضارة في حقل حياتهم الرتيبة.
لم تكن حرة تقتفي الأثر شكاً، لكن حدس الأنثى بوصلة لا تُخطئ القبلة. وذات ليلة، بينما كان سالم غارقاً في سباتٍ عميق، أضاءت شاشة هاتفه برسالة خاطفة: "هل وصلت إلى منزلك بأمان؟ لقد افتقدت حديثنا الليلة".
لم تطلق حرة صرخة مدوية، ولم تعبث بأركان البيت، بل ارتدت "الهدوء القاتل" رداءً. وفي الصباح، وضعت الهاتف أمام سالم فوق طاولة الإفطار، وألقت سؤالاً كان بمثابة حدٍّ فاصل بين عمرين:
"هل كان فنجان القهوة معها، أثمن من عشر سنواتٍ من عُمري؟"
حاول سالم المراوغة، متدثراً بأعذار "ضغط العمل"، و"رتابة الروتين"، وادعاء أنها "مجرد زميلة تفهم أفكاري". لكن فجيعة حرة لم تكن في وجود امرأة أخرى فحسب، بل في اكتشافها أن الرجل الذي اقتسم معها الحلم والوسادة، بات غريباً يرتدي قناع الزيف ببراعة.
استحال البيت من ملجأ إلى ساحة للقلق الوجودي. وبدأت التساؤلات تنهش روحها: "ما الذي نقص فيّ ليكتمل فيها؟". تآكلت نظرتها للحب، وتأرجحت بين مرارة الطلاق الفوري وحماية كيان الأبناء، لينتهي بها المطاف إلى ما هو أقسى من الفراق: "الطلاق العاطفي".
حاول سالم رتق ما تمزق بالاعتذارات والقرابين، لكن حرة لخصت مأساتها في جملة واحدة:
"أنا أسامحك، ليس لأنك تستحق، بل لأنني لا أريد أن أثقل قلبي بكراهيتك. لكنني لم أعد أثق بك.. والثقة كالمرآة، إذا انكسرت، يمكنك لمّ شتات شظاياها، لكنك ستظل ترى الشروخ في كل مرة تحاول فيها رؤية وجهك."
لقد انحلّ "الميثاق الغليظ"، وتهاوى السقف الذي ظنته يوماً يحميهما من عوادي الزمن.
أدركت حرة أن البيوت لا تبنيها الجدران، بل تمسكها خيوط "الثقة". والخيانة ليست مجرد مغامرة عابرة، بل هي ثقب في ثوب الذاكرة؛ كلما حاولت رتْقه بـ "التناسي"، اتسع الخرق على الراقع. إنها كالفخار القديم، قد يرممه الخزّاف ببراعة ويطليه بالذهب، لكنه عند أول لمسة حنين، سيذكرك دائماً أنه كان يوماً ما.. حطاماً.
و بمرارة المغدورة همست بنقمة... فالمرأة حين تُكسر، لا تعود كائناً منكسراً فحسب، بل تصبح كائناً "ناجياً"، والناجون لا ينظرون إلى الوراء أبداً، لأن ملامحهم القديمة غادرت مع أول شرخ.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق