🌟التوكل على الذكاء: رحلة نحو فقدان الذات🌟
الأديب عاشور مرواني
يكتب
🌟🌙🌟🌙🌟🌙🌟
🌟🌙🌟🌙🌟🌙🌟🌙🌟
التوكل على الذكاء: رحلة نحو فقدان الذات
في زمنٍ صار فيه الذكاء الاصطناعي مرآةً واسعةً للمعرفة، وأداةً صامتةً لكل قرار، يقف الإنسان على حافة مفترقٍ خفيّ: بين أن يعود إلى ذاته، أو أن يسلّم مصيره لكيانٍ بلا وعي، بلا شعور، وبلا إدراكٍ لمعنى الخطأ أو الصواب. لقد نشأت ثقافةٌ جديدة تُغري الإنسان بأن الطريق الأقصر هو الطريق الآلي؛ أن يودع أسئلته في يد خوارزميات، وأن يخفف عن روحه عبء المحاولة، بينما يتوارى صوته الداخلي شيئًا فشيئًا، كأن الذات لم تعد مرجعًا، بل عبئًا.
إن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطورٍ تقني، بل هو تحوّلٌ نفسي عميق، يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه. فهو يهمس له بأن قراراته لا تستحق الثقة، وأن الخطأ لم يعد تجربةً للتعلّم، بل خللًا يجب تفاديه. وفي هذا الانزلاق الناعم، ينسى الإنسان أن جوهر قوته ليس في الإجابة الجاهزة، بل في قدرته على التردد، على السؤال، على المجازفة، وعلى مواجهة المجهول بعقلٍ حيّ وقلبٍ نابض.
فالفلسفة التي تحكم علاقة الإنسان بأدواته تقول إن الأداة لا تملك إرادة، بل تعكس إرادة صانعها ومبرمجها. والتوكل على الذكاء الاصطناعي كليًا يشبه أن يغرس الإنسان روحه في جسدٍ بلا روح، وأن ينسى أن الذات هي المنبع الأول لكل ابتكار، ولكل شجاعة، ولكل فعلٍ إنسانيٍّ مؤثر. وهنا تتجلى الأزمة الكبرى: قد ينجح الإنسان في إدارة عالمه الرقمي، لكنه يخسر عالمه الداخلي، ذلك العالم الذي لا تُقاس قيمته بالسرعة، بل بالمعنى.
إن الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في أن يتحول إلى ظلٍّ كثيفٍ يحجب الإنسان عن نفسه، فيجعله يتنازل عن قدراته، ويُسلّم قراره، ويستبدل مسؤولية الاختيار براحة الاتّباع. فالحياة ليست مجموعة حلولٍ جاهزة، بل صراعٌ مع الأسئلة، ومواجهةٌ مع الغموض، وتجربةٌ تتشكل عبر الألم والوعي والمسؤولية.
فالذكاء الاصطناعي يختصر، يسرّع، يحلّل… لكنه لا يحلم. لا يتأمل. لا يتألّم. ولا يعرف معنى أن يكون الإنسان إنسانًا. وما لم يحتفظ المرء بقدرته على الإبداع، وعلى التجربة، وعلى الشعور، فإنه يغدو مجرد ظلٍّ لحياةٍ صُنعت له… بدلًا من أن يصنعها هو.
الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر
🌟🌙🌟🌙🌟🌙🌟

تعليقات
إرسال تعليق