... الماء🌿


 

  الكاتب_ الشاعر أ.مصطفى الصبان

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

عنوان القصة : ـــــــــــــــ الماء ـــــــــــــــــــــــــــــ


  على عتبة الرصيف الرملي جلس وحيدا يتنهد ، يلهث من شدة العطش ، لا طير يطير ، و لا ظل ، و لا غريب يستأنس به من وحشة الغربة و لهيب الحر.


  لقد ترك خلفه بلدة بكاملها تبحث عن الماء ، منهم من يحفر الآبار التي باتت قاحلة و صلبة الجوف ، و آخرون يتأملون في شرود اختلاط ما تبقى من الماء العكر بالحجارة و الطين اليابس ، و أطفال تلفح وجوههم الشمس ، هم الآخرون يتأملون تلك الضفادع و الحشرات ، و يحذرون من لدغات الأفاعي ، و في الجهة الأخرى شباب ورجال يرمون بتلك المضخات ، و يعمدون إلى رمي الحفارات ، و كل معدات البحث و التنقيب عن الماء ، كل طرق البحث باءت بالفشل .


  قال أحدهم لصديقه :


  ـ أرى في المنام ماء عكرا يكتسح بيتي .  


  ـ لست ابن سيرين حتى أفسر منامك أيها المغفل . ضحكا ، ثم مالا نحو ظل الشجرة ، و ناما لعل حلما من ماء بارد يزور الصدور فتروى .


  صار الماء قضية ، ليس في بلدته فقط ، بل صار قضية العالم بأسره ، و كل ما قيل عن ندرة المياه صار واقعا يهدد الإنسان و الحيوان و النبات ، و ها هو الموت البطيء يتسرب عبر الحناجر الناشفة و الجافة ، فيسقط الأجساد النحيفة ، لتشربها الأرض القاحلة و تمتصها لتتحلل و الحصى و التراب .


  ـ ماء ، ماء ، أريد ماء ، أكاد أهلك .


  يرى السراب من بعيد فيحسبه ماء ، و يأبى السراب إلا أن يبتعد ، و تزداد شدة العطش ، و يتوقف فكره ، و ينسى ذكرياته ، و بيته و زوجته و أولاده و عائلته و بلدته ، و كل من في الأرض جميعا.


  ـ أنت الماء و الهواء .


هكذا كان يقول لزوجته بالأمس ، و الآن ، و هذا اللهيب يقتلع الأنفاس ، هل يزال ذلك الحب كما كان بالأمس ، و ذلك العناق ، و تلك القبلات العميقة ، و حرارة عناق الأطفال و هو عائد من السفر أو من العمل ، و تقبيل رأس الأم و كف الأب ، و زيارة الأولياء و الصالحين ، و دعاء الليل و النهار ، و تلك الصحبة العامرة بالمحبة ، و تلك الأحلام التي لم يتحقق منها سوى الخيال ، أين ذهب كل ذلك ؟ هل نموت فجأة لأن موتا يلاحقنا منذ ولادتنا ؟ و الحياة التي وعدنا بها ، أين هي الآن ؟ بل أين الماء الذي صار يحمل صفة الحياة ؟


  كان يعارض صديقه دائما و يقول له :


  ـ أبدا لن تكون هناك حروب من أجل الماء يا صديقي .


  كان ضد فكرة الحرب من أجل الماء ، و لا يؤمن مطلقا بحدوثها مستقبلا ، رغم كل تلك البرامج التي كان يتابعها و صديقه و تقول بهذا الخطر القادم ، و رغم ذلك الفيلم الذي تدور أحداثه عن أناس يتقاتلون من أجل قنينة ماء ، و آخرون يغزون بلدا من أجل بركة ماء .


  ـ لا شيء يأتي من فراغ ، كل ما نشاهده حتى و إن كان خيالا قد يتحقق ذات يوم ، و قد حدث هذا مع داء كورونا ، أليس كذلك يا صديق الأمس ؟


  لم يكن يعلم بحقيقة الأمر ، و أن هناك مجهولا يحمل نهاية العالم بطريقة أو بأخرى ، و أن الماء الذي ينطق بالحياة سيختفي ، و تلك الثلوج التي كانت تحط فوق البحار المتجمدة ستذوب ذات يوم ، و ستمحو دولا و قارات من على الوجود .


  مع حرارة الموت و شدته ، كان يؤمن بأن هناك ربا رحيما يتدخل ، لينقد من أوشكوا على الهلاك بطريقة أو بأخرى ، إيمانه العميق كان يلهمه الصبر ، لأن هواء لازال يزور صدره كان يوحي له بالنجاة .


بقلمي : مصطفى الصبان


البلد : المملكة المغربية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))