....حي العرب🌿
الكاتب_ الشاعر أ. عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
حي العرب
في ساحة كبرى تتوسط "حي العرب"، نُصبت منصة عملاقة؛ لم تكن مخصصة لخطاب توحيد أو مشروع نهضة، بل حلبة لرقص غريب. ارتدى الجميع أبهى ثيابهم، لكن العيون لم تكن تلتقي، بل كانت شاخصةً بصمت نحو شاشة ضخمة تتصدر الميدان، يطلُّ منها "السيد البرتقالي".
كانت الحشود تتمايل على إيقاع طبول غريبة، إيقاعٍ لا يمتُّ لأهازيجهم القديمة بصلة. أطلق عليها المثقفون "رقصة الديك المذبوح"؛ لأنها رقصةٌ فاقدة للتوازن، يؤديها من ضلَّ البوصلة ويحاول إثبات وجوده بقفز عشوائي، بينما ينزف الجرح في رقبته بغزارة.
خلف الكواليس، وقف "العرّابون"؛ أولئك الذين أقنعوا الحشود بأن الخلاص لا يكمن في زرع الأرض أو تصنيع السلاح، بل في نيل "مباركة" ذلك الرجل القادم من خلف المحيط. صوروه في هيئة "عنترة" المخلص الأسطوري، رغم أنه كان يتحدث علانية عن "الثمن" و"الحماية" مقابل التبعية. في حضرته، صار الأخ خصماً، والغريب سنداً، يبيعهم وعوداً براقة في غلاف من ذهب زائف.
بينما كان الجميع يتمايل تحت سطوة الشاشة، كانت القضايا الكبرى (فلسطين، التنمية، الوحدة، العدالة) مركونة في زاوية مظلمة، يعلوها الغبار. انقسم الحيُّ فئاتٍ:
فئةٌ تصفق للرجل القوي طمعاً في رضاه.
فئةٌ تهاجم جيرانها لتثبت له أنها الأكثر إخلاصاً.
وفئةٌ تاهت بين ضجيج الفريقين، فآثرت الفرار.
كان التشتت هو سيد الموقف؛ فكلما حاول أحدهم الإشارة إلى الجرح النازف في القدس، أو الجوع في صنعاء، أو الدمار في دمشق، ارتفع صخب موسيقى "رقصة الديك" ليواري عجزهم عن الفعل.
فجأة، انطفأت الشاشة، ورحل "السيد" ليغرد من مكان آخر، تاركاً الراقصين في العراء يواجهون الحقيقة المرة: أن الرقص للجن لا يحمي البيوت، وأن الولاء لغير الأرض والذات ما هو إلا بناءٌ فوق الرمال. بقيت الجروح مفتوحة، وبقيت الساحة خالية إلا من ريش الديكة التي ذُبحت وهي تظن أنها تغني للنصر.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق