.......رمضان🌿
الكاتب_الشاعر أ.. عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
رمضان بين الحدود
كانت حقيبته تبدو أثقل من وزنها الحقيقي؛ فهي المثقلة بشوق خمس سنوات من الاغتراب. "خالد" الذي لم يغمض له جفن، كان يرتجف كلما سرقت عيناه نظرة إلى عقارب الساعة. كانت الطائرة التي تأخرت ثلاث ساعات عن موعد إقلاعها هي القشة التي قصمت ظهر صبره؛ فهو لا يبتغي فندقاً ولا أضواء، بل يرجو إدراك أذان المغرب الأول في رمضان بجانب أمه المسنة، التي قطع لها وعداً غليظاً: "سأفطر معكِ يا أمي في أول يوم".
عند نقطة التفتيش الحدودية، وبينما كان يهرول ليلحق بآخر حافلة، دوّى أذان المغرب في الأفق. تجمّد مكانه.. لم يكن صوت الأذان هنا برداً وسلاماً، بل كان صرخة نبهته إلى فداحة التأخير.. لقد فات الموعد.
وحين أمره الشرطي بالتوقف لإعادة تفتيش حقائبه بدقة مستفزة، انفجر البركان الكامن في صدره. احتقن وجهه، واكفهرت ملامحه، وزمجر بصوت زلزل الرواق: "هل ماتت الرحمة في قلوبكم؟ أمي تنتظرني بوهنها وصيامها، وأنتم تعبثون بالوقت كأنه هباء؟"
لم تكن ردة الفعل كما اشتهى؛ إذ اقتيد "خالد" بخشونة إلى غرفة تفتيش ضيقة، سُلب منه هاتفه، ومُنع حتى من شربة ماء يكسر بها حدة صيام ذلك اليوم الطويل. مكث هناك ساعات تحت أضواء "النيون" الباردة والتحقيقات الروتينية التي زادتها عصبيته تعقيداً وانغلاقاً.
مع بزوغ الخيوط الأولى للفجر، وبعد أن استوثقوا من أوراقه وهدأ ضجيج غيظه، أعادوا إليه جواز سفره. قال له الضابط بهدوء نال من بقايا كبريائه: "يمكنك الذهاب الآن".
خرج خالد من المطار، والهواء البارد يلفح وجهه الشاحب. كانت الشوارع خالية إلا من السكون، والصمت يلف أركان المدينة. استقل سيارة أجرة نحو بيت أمه، والمرارة تخنق حلقه؛ لم تكن مرارة العطش، بل غصة تلك "الزمجرة" التي لم تفتح له باباً، بل أغلقت في وجهه ليلة كاملة من الوصل.
وصل إلى البيت مع شروق الشمس. فتح الباب بمفتاحه القديم، فوجد أمه ساجدة على سجادتها في ركن الغرفة، وقد غفت من تعب الانتظار بعد صلاة الفجر. بجانبها على مائدة صغيرة، وضع طبق تمر وكوب لبن "مغطى"، وبجوارهما ورقة كُتب عليها بخط مرتعش: "أعلم أنك تأخرت، لكن إفطارك ينتظرك.. لا تغضب يا بني، ففي كل تأخيرة خيرة."
سقطت الحقيبة من يده، وأدرك في تلك اللحظة أن صومه بالأمس كان مجرد إمساك عن الطعام، أما صومه الحقيقي فقد بدأ الآن؛ صومٌ عنوانه:
التسامح مع النفس التي ضلت طريقها في حق الغرباء.
الصبر على أقدار الله التي تخفي في طياتها الحكمة.
السكينة التي هي الجوهر الحقيقي لهذا الشهر الفضيل.
قبّل يد أمه وهي تستيقظ مذهولة برؤيته، وهمس في أذنها بقلبٍ مخبت: "الآن يا أمي.. بدأ رمضاني حقاً".
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق