... الجمال القاتل🌿


  الكاتب_ الشاعر أ. عبد الفتاح الطياري

🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿

الجمال القاتل

كانت لينا تؤمن أن ابنها "آدم" هو أعظم أدوارها في الحياة؛ فهو القصيدة التي لم تكتبها، واللوحة التي لم ترسمها. وبصفتها نجمة مسرح مخضرمة، رأت في ملامحه الرقيقة وسلوكه الهادئ امتداداً للنبل الذي تجسده على الخشبة. لكن الستار سقط فجأة حين عُثر على "سارة"، تلميذته ورفيقته، جثةً هامدة خلف كواليس المسرح القديم.

​بينما كانت الشرطة تقتفي أثر الجريمة، كانت لينا تخوض "بروفات" مسرحية جديدة تتمحور حول الخيانة والدم. في البداية، دافعت عن آدم بشراسة، معتبرةً التهم مجرد "سوء فهم" تراجيدي. لكن، ومن خلال تقمصها للنص المسرحي، بدأت تلمح في آدم تفاصيل مرعبة:

​جماله السام: كيف يوظف وسامته ليحجب غيرته المرضية.

​أداؤه المتقن: أدركت أن ابنها لا يعيش الحقيقة، بل يمثلها باحترافية.

​القناع المحطم: وجدت نفسها أمام "وحش جميل" يرتدي قناعاً صاغته هي بأوهام حبها الأعمى.

​في لحظة الذروة الدرامية على المسرح، وهي تؤدي "مونولوج" الاعتراف، شاخصت ببصرها نحو آدم الجالس في الصف الأول؛ فلم ترَ في عينيه ندم الفقد، بل برود القاتل الذي يراقب عرضاً فنياً بزهو. حينها فقط، أدركت أن الجمال قد يكون غلافاً لأبشع الخطايا، وأن المسرح ليس إلا مرآة عاكسة للحقيقة.

​استحضرت في مخيلتها أسطورة "بيجماليون" الذي عشق تمثاله، فكان آدم تمثالها الذي بثّت فيه الروح فانقلب عليها. ثم استرجعت صرخة "مريم" القادمة من خلف القضبان؛ ففي الجانب الآخر من المدينة، وفي زنزانة باردة، تقبع مريم—الأم التي لم تملك رفاهية المسرح، بل امتلكت سكيناً انتقمت بها لابنتها التي قُتلت قبل سنوات. مريم لا تمثل؛ مريم تعيش الحقيقة في عريها الموحش.

​بدأت مريم تراسل لينا بعد أن طالعت قضية ابنها في الصحف. لم تكن رسائلها مواساة، بل كانت "تطهيراً" بالمعنى الإغريقي. كتبت لها: ​إلى السيدة التي تتقن الوقوف تحت الأضواء.. بينما أتقنُ أنا العيش في الظل،

​لقد قرأتُ قصتك في الصحف الملقاة عند باب زنزانتي، ورأيتُ صورتكِ وأنتِ تغادرين المحكمة، تخفين وجهكِ من الكاميرات كما لو كنتِ تخفين عاراً لم ترتكبيه.

​يا لينا، نحن الأمهات نرتكب الخطيئة الكبرى حين نصنع من أبنائنا "آلهة" أو "قصائد". أنتِ صنعتِ من آدم تمثالاً من مرمر، وصقلتِ ملامحه بالحب والدلال حتى صار لا يرى في المرآة إلا كمالاً زائفاً. أما أنا، فقد تركتُ ابنتي للريح، وظننتُ أن العالم سيرحم براءتها، فكان طعني في مقتلي حين فُجعتُ بها.

​أنا هنا لأنني قتلتُ "الوحش" الذي سلبني ابنتي، أما أنتِ، فتعيشين في سجنٍ أضيق من زنزانتي؛ لأن "وحشكِ" يسكن في أحشائك، ويحمل ملامحكِ، وينطق بصوتكِ.

​تذكري جيداً:

نحن نحمل أطفالنا في أحشائنا مرتين؛ مرةً حين نهبهم الحياة، ومرةً حين نصلب أنفسنا على أبواب ذنوبهم. ابنتي ماتت بضربة سكين، لكن روحكِ ماتت بابتسامة ابنكِ الباردة.

​لا تبكي على ضياع "الجمال" في آدم، بل ابكي على الحقيقة التي طمرتها أصباغ المسرح لسنوات. هو لا يمثل الآن يا لينا، هو الآن "هو" بلا رتوش. القاتل لا يحتاج لمخرج، والدم لا يحتاج لإضاءة خافتة ليظهر لونه القاني.

​تطهري من وهمك، فالاعتراف على الخشبة هو "فن"، أما الاعتراف أمام الضمير فهو "الحياة".

​من مريم.. التي وجدت حريتها خلف القضبان، إلى لينا.. التي فقدت حريتها فوق المسرح.""

​تقف لينا الآن على خشبة المسرح الخالي، ليس لتؤدي دوراً، بل لتدلي بشهادة الحق أمام العدالة، مضحيةً بابنها لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتها. وفي زنزانتها، ترفع مريم يديها بالصلاة، كأن الكلمات هي الجسر الوحيد الذي يربط بين أمٍ فقدت ابنتها، وأمٍ فقدت وهمها.

​لقد وجدت المرأتان في "المسرح والكتابة"—سواء كان شعراً مسرحياً أو رسائل سجن—الملاذ الأخير. فالفقد الحقيقي ليس في رحيل الطفل، بل في اكتشاف أننا أفنينا أعمارنا في حب "قناع" لا وجود له.

​بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))