..... شهيد الشاشة🌿
الكاتب_الشاعر أ. عبد الفتاح الطياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
شهيد الشاشة
استلقى "منصور" أمام الشاشة في وضعية الجنين، لم تكن عيناه تتحركان، بل كانت الأشعة الزرقاء هي التي تحرك حدقتيه يمنة ويسرة كعروس ماريونيت. لم يعد يثق بحواسه؛ فإذا قالت النشرة الجوية إن الشمس تشرق من الغرب، أطبق ستائره وبدأ يبحث عن "القبلة" الجديدة.
كان لا يأكل إلا إذا أعلن المذيع عن "فصل إعلاني"، ولا ينام إلا حين تظهر شارة التشويش الرمادية، معتبراً إياها "صمت القبور" الذي يسبق البعث في برامج الصباح.
ذات يوم، سألته زوجته وهي تمر بضجر أمام الشاشة: "منصور، هل تحبني؟"
لم يلتفت إليها، بل انتظر حتى ظهر المحلل السياسي على الشاشة وقال بصرامة: "المعطيات الراهنة تؤكد استقرار العلاقات الثنائية رغم وجود بعض التوترات الحدودية".
هز منصور رأسه بإيمان عميق وتمتم: "أشهد أنكِ كما قال الأستاذ.. معطياتنا مستقرة!
لم يعد منصور يشعر بأطرافه، كان ثمة خدر لذيذ يبدأ من أصابع قدميه ويتسلل صعوداً. لاحظت زوجته أن لون جلده بدأ يميل للرمادي المنقّط بنقاط بيضاء وسوداء، تماماً مثل شاشة قديمة فقدت إشارتها.
صاحت به وهي تهزه: "منصور! استيقظ، إنك تتلاشى!"
لكنه لم يسمعها، كان يسمع فقط أزيز الكهرباء الساكنة. وفي تلك اللحظة، أعلن المذيع بابتسامة بلاستيكية: "والآن، ننتقل بكم إلى داخل الحدث".
هنا بدأت المعجزة السريالية:
انفصلت أذن منصور اليمنى وتحولت إلى "لوغو" القناة الصغير في زاوية الغرفة.
تحولت عيناه إلى عدسات مكبرة عكست ألوان الطيف السبعة.
بدأ جسده يترقق ويشفّ، حتى صار مجرد طبقة رقيقة من الفسفور ملتصقة بالمقعد.
لم يعد هناك "منصور"، بل "بكسل" رقمي وحيد في خلفية مشهد لنشرة الأخبار. لقد استجابت الشاشة لصلواته الطويلة وقبلته في ملكوتها.
حاولت زوجته يائسة أن تلمس يده، لكن يدها اخترقت جسده كأنها تخترق حزمة ضوئية. صرخت: "أين أنت؟"
جاءها صوته من مكبرات صوت التلفاز، خافتاً، ممزوجاً بموسيقى "العاجل" الحماسية: "أنا الآن في قلب التغطية.. المصادر المطلعة تؤكد أنني لم أعد موجوداً خارج الإطار!"
وفي حركة أخيرة من "التقوى الرقمية"، انطفأت الشاشة فجأة بسبب انقطاع التيار الكهربائي. اختفت الألوان، واختفى المذيع، واختفى منصور معهما، مخلفاً وراءه مقعداً فارغاً وريموت
كنترول يتيماً، ورائحة طفيفة من الأوزون المحروق.
لقد نال "الشهادة" أخيراً.. صار خبراً عاجلاً لم يره أحد لأن الكهرباء انقطعت.تحب أن ننهي القصة عند هذا المشهد؟
ساد الصمت الغرفة، ذلك الصمت الثقيل الذي يتبع انقطاع البث المفاجئ. وقفت الزوجة أمام الشاشة السوداء التي كانت منذ لحظات تبتلع زوجها "بكسلاً بعد بكسل". لم تبكِ، ولم تصرخ، بل شعرت بحيرة تقنية غريبة.
أمسكت بـ "جهاز التحكم" بيد ترتجف. ضغطت زر التشغيل حين عاد التيار فجأة بوحيٍ من الصدفة. بدأت "تُقلّب" القنوات بلهفة الأم التي تبحث عن طفلها الضائع في الزحام:
القناة الإخبارية: ظهر مذيع مجهول يتحدث عن "تطهير العشوائيات"، لمحت خلفه ظلاً يشبه قفا "منصور"، لكن الكاميرا انتقلت بسرعة إلى تقرير عن أسعار الصرف.
قناة الطبخ: رأت يداً تشبه يد زوجها تماماً وهي ترش الملح على طبخة "ستيك"، لكن الساعة في معصم اليد كانت تدق بتوقيت غرينتش، ومنصور لا يفهم إلا بتوقيت "النشرة الرئيسية".
قناة الوثائقيات: شاهدت قطيعاً من الجواميس يعبر نهراً هائجاً، وفي مؤخرة القطيع، جاموسة تنظر للكاميرا بنظرة انكسار.. "هل أنتَ هناك يا منصور؟" همست للمذياع الداخلي للشاشة.
في النهاية، استسلمت الزوجة. جلست على المقعد الدافئ الذي تركه "الشهيد"، وضعت الريموت في حجرها بوقار، وشخصت بصرها نحو الشاشة.
لم تعد تبحث عنه، بل بدأت هي الأخرى تشعر بـ "وخز الفسفور" في أطراف أصابعها. وفي حركة لا شعورية، بدأت تهز رأسها مع نغمات فاصل إعلاني لمسحوق غسيل، وكأنها تُعلن انضمامها لـ "طابور الشهداء".
لقد مات منصور خبراً.. لتعيش هي "فاصلاً إعلانياً" طويلاً.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق