... سارة🌿
الكاتب_الشاعرأ.عبد الفتاح التياري
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
سارة والمغامرة الكبيرة
نشأت سارة وفي أذنيها صدى كلمة وحيدة يترنم بها ببغاؤها العجوز: "ارحل". كان طائراً غريباً، يقضي يومه في صمتٍ مطبق ووقار حزين؛ لا تستفزه الكلمات ولا تغريه المحاكاة، وكأنه اختار العزلة عن عالم البشر رغم عيشه بينهم.
بلغت سارة من العُمر سِتَّ سَنوات، لكنَّ عَقْلَها الصغيرَ كان مَشغولاً بسؤالٍ كبير: "هل كِبَرُ السِّنِّ مُغامرةٌ جميلةٌ حقاً؟". كانت تحاول أن تفعل بعض الأشياء بمفردها، لكن قلبها كان يرتجف خوفاً، فتهمس بضيق: "أخافُ أن أكبر..".
في صَباحِ يومٍ ربيعيٍّ مُشْمِس، خرجت سارة لتتمشى في الغابة. وبينما كانت تَتأملُ الزهور، سَمِعت صوتاً ناعماً يتردد: "كِبَر؟ كِبَر؟ هل قال أحدٌ كِبَر؟ مرحباً يا سارة!".
نظرت فوقها ورأت ببغاءً صغيراً ملوناً يرفرف بجناحيه بنشاط. تفاجأت سارة وسألته: "من هناك؟".
قفز الببغاء على غصن شجرة لوزٍ مكللة بالزهور البيضاء وقال: "أنا ببغاءٌ خبيرٌ في الأمور الكبيرة والصغيرة!". ضحكت سارة وسألته: "وهل الكبر مخيف؟". هزّ الببغاء رأسه وقال: "كنتُ أخاف من الطيران.. ثم جربت، فطار الخوف بعيداً!".
قالت سارة بقلق: "ولكن.. ماذا لو بقيتُ وحدي؟".
اقترب الببغاء وهمس: "هل الشمس وحدها؟ هل الشجرة وحدها؟"، ثم ضحك وقال: "ولا الببغاءُ وحده! انظري، أنتِ معي الآن!".
لم يكن ببغاءً عادياً، بل كان صوته يشبه رنين الأجراس الهادئة. قال لها: "يا سارة، الكِبَرُ ليس لصاً يسرق طفولتك، بل هو رسّامٌ يضيف لوجهكِ تفاصيلَ جديدة. انظري إلى هذه الأشجار، لقد كانت يوماً بذوراً صغيرة، والآن هي تلامس السماء. كُلَّما كَبُرْتِ، اكتشفتِ ألواناً لم تريها من قبل".
تمشيا معاً حتى وصلا إلى بقعة ساحرة، وجلسا يتناولان وجبة الغداء تحت أشعة الشمس الدافئة. سألته سارة وهي تراقب الفراشات: "وهل يظل الحبُّ معنا دائماً؟".
صفّق الببغاء بجناحيه: "الحب؟ هذا أسهل سؤال! الحب يسكن القلوب، والقلوب لا تضيّع سكانها أبداً".
ثم سألها وهو يقضم فتات الخبز: "هل ما زال الخوف يسكنكِ؟".
ابتسمت سارة وقالت: "لا.. لقد صار صغيراً جداً".
ضحك الببغاء وقال: "إذن أنتِ تكبرين! لو بقيتُ في مكاني ولم أُجرب.. لما طرتُ أبداً!".
عندما مالت الشمس للغروب، استلَّ الببغاء ريشةً ذهبية من جناحه وأعطاها لسارة قائلاً: "كلما كبرتِ، سيتغير قوامكِ وتتبدل نبرة صوتك، وتصبح أحلامك أكبر من غرفتك الصغيرة. لكن سرَّ الكِبَر الجميل يكمن هنا.." وأشار إلى قلبها.
نظرت سارة إلى ظلها الطويل على الأرض، ولم تعد خائفة. أدركت أن كبر السن ليس رحيلاً عن الطفولة، بل هو اتساعٌ للروح. فكما تتبدل أوراق الشجر لتُفسح مجالاً للثمر، تتبدل ملامحنا لتتسع لقصصٍ أعظم.
عادت سارة إلى بيتها وهي تمسك بالريشة، مدركةً أن كل عامٍ جديد هو لونٌ إضافي يجعل لوحتها أكثر جمالاً. تذكرت ببغاءها العجوز الصامت، فهرعت إلى قفصه وفتحت الباب على مصراعيه وقالت له بحب: "ارحل.. طِر إلى الغابة واكبر هناك!".
بقي الطائر جامداً، نظر إليها بعينين حزينتين وقال بصوتٍ واهن: "فات الأوان يا سارة.. لقد شختُ في حبسي حتى نسيتُ كيف أكون طيراً، وتعودتُ على قضباني".
حينها، ضمت سارة القفص إلى صدرها، وأدركت أن المغامرة ليست فقط في "أن نكبر"، بل في "ألا ننسى كيف نطير" ونحن نكبر.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

تعليقات
إرسال تعليق