((((( جولة في الريف. )))
الشاعر ،/ إبراهيم مقادير / يكتب
⭐⭐⭐
جولة في الريف
""""""""""""""""""""""""
ابنا للعشرين كنت، وقد ضقت ذرعا وضجرت من أجواء المدينة[ إن جازت هته التسمية] فعمدت إلى توسيع أنفاسي بين جنباتي، وتمديد حقل رؤياي في توأم أبصاري....
يومها استيقظت باكرا في جو ربيعي خلاب، ولم يكن لدي متسع من الوقت لأرتشف قهوتي، فاستلقيت الحافلة وعلمي يقينا أنها تمر بمحاذاة الريف المقصود.......
وما هو إلا ثلث ساعة حتى توقفت المركبة عند موقف نزل منه نفر كنت من بينهم ....كانت الديار المرغوبة تبعد بضعة أميال ، ولم أكن أعنى قط للوصول إليها سيما وأيقونة الكون لم تهل بعد...بدت لي بعض المنازل كأعواد ثقاب بأسقف قرميدية قانية تارة...وأخرى كخصلات شعر أدهم تدلى على أديم شقراء يافعة....ويلفها بساط سحر سندسي تخللته بين الحين والحين ألوان زاهية متنوعة متعددة تبهر المقل...
مشيت ولم تشرق الشمس بعد بين حقول مترامية تفاوتت في اخضرارها قمحا كانت أو شعيرا وتحف في تواز وتوازن طريقا ترابيا، بدت فيه آثار العجلات والماشية واضحة...
رحت أتعمد أخذ شهيق عميق لأنعش صدري بتلك الروائح الزكية العطرة ، وألتفت يمينا وشمالا لأمتع ناظري فتبدو لي قطعانا من الخراف في بياضها كأنها حبات در تناثرت على جيد حسناء..
وأحيانا كنت أهرول أو أجري اشتياقا إلى مسقط الرأس ،وما إن دنوت حتى بدأت بالتلويح لأقاربي من العمومة والخؤولة ....فمنهم من أخرج قطيعه للكلأ، وهذا قد بكر ينقي زرعه من كل شائبة ، وذاك يجر أبقارا إلى سفح الجبل..
اقتربت وجلا من شراسة الكلاب وناديت قريبا لي من أترابي ،فاشرأب من الزريبة وهتف مرحبا ثم اصطحبني خلف الدار حيث الخالة الكريمة قد هيأت قهوة نضجت على نار هادئة في مغلاة. وحولها شكوة حليب معدة للمخض....
بعد أسئلة روتينية أجبت عليها في عجالة رغبت في مرافقة الشاب حيث تسلل القطيع إلى مرعاه....هنالك بدى لي وكأني محلق في كبد السماء ، حيث لا شيء يحد من بصري سوى نهاية الأفق وقد لاحت أشعة الشمس تطل من الشفق.....
قضيت ساعات وسط المروج أتابع قطيع الأغنام في رعيها وكيف تختار نباتاتها بدقة فتلتهم في شغف نوعا وتأنف آخر...
وكنت بدوري انتقي ما فاح أريجه من زهور فأشتمه في لهفة المختنق ....ثم عدت وتربي إلى الدار فوجدت صاحبها مستلقيا يستظل خلفها ويستريح جراء مشوار قضاه...ثمة أحضرت ربة البيت غذاء لذيذا خالف المصبر والمعلب الذي عهدته ....سمن وخبز قمح ولبن مصفى وتمر بدت نواته كعروس في خدرها....
وكعادة أهل البادية يغط جميعهم في قيلولة هانئة، لكني أردت أن استمتع أكثر ..فبادر الشيخ كأنه علم مرادي وطلب من ولده أن يأخذ القطيع إلى المورد ..فأتيحت لي فرصة امتطاء جوادهم جيئة وذهابا. ..
عدنا بعد ما يربو عن الساعة ،فاستقبلتنا الخالة بقدح من الجبن المحلي ومعه إبريق شاي تفوح منه رائحة النعناع تذكي الأنوف....
تجدد اللقاء مع القطيع مساء وهذه المرة رفقة بقرات سمان تتبع بعضعا عجول اختلفت في أعمارها وألوانها...
بقيت طوال تلك الأمسية أجوب بناظري وأشرد عن حديث قريبي مدهوشا في جمال الريف ...وتمنيت لو أقف عند كل بيت هنيهة... إلا أنها كانت متباعدة،..
أوشكت الشمس على المغيب وزاد احمرارها للبادية أبهة ، وقد دنا القطيع من البيت رويدا، فسبقناه إلى ربوة في جنب الدار وفي سرعة البرق حضرت قهوة الأمسية بجانب الشيخ الذي راح يطمئن على أهله في الحضر...فأجبته بتفصيل عن سؤله....
ومن ديدن أهل الريف أن تكون وجبة العشاء بين المغرب والعشاء....وقبل أن يبهم علينا الخيط الأبيض من الأسود أحضر خوان كبير يملؤه طبقهم المفضل ( كسكس قمح مع لحم مجفف متبل أضيف إليه لمسة سحر في حفنة سمن )....
بعدها التف جميعنا حول قنديل نستمع للشيخ وهو يروي حكايات ومغامرات وأحاجي يختبر فيها ذكاءنا....حتى غلب معظمنا النعاس فخلدنا إلى النوم في سكينة وهدوء بعيدا عن صخب المدينة....
قضيت بضعة أيام بدت لي حلما ورسخت في ذهني كنقش على الحجر لم يمحها حتى منظر البحر...
"""""""""""""""""""""""
.إبراهيم مقدير ..تبسة / الجزائر

تعليقات
إرسال تعليق