((((( الدشداشة البيضاء. ))))))



الشاعر  / صبري مقلد  / يكتب 
⭐⭐⭐

الدشداشة البيضاء                   .                         .                    حين توجه الأستاذ عبد الحميد إلى الكويت ليعمل هناك مصطحبا معه أسرته المكونة منه وزوجته وولديه و ابنته شروق التي لم تكن جاوزت الست سنوات ، وقفت الأسرة في مطار القاهرة في حالة ترقب للحياة الجديدة ، بينما الأب شريد الذهن مكدود البدن ، لقد.أمضى ليلته يستعد للسفر ويجمع متاع بيته ، وها هو في المطار لا يعرف السبيل الأمثل لإنهاء إجراءات المغادرة ، تتجاذبه اللافتات ونوافذ الموظفين ، بينما انزوت الأسرة مكتفية بمتابعة الأب ومستعدة للمغادرة ، في تلك الأثناء أطلقت شروق نظراتها في أرجاء المطار تحاول أن تكتشف هذا العالم الجديد بنفسها فتسجل في ذاكرتها ما أمكنها من مشاهد ، ولكن الأب يأتي مهرولا طالبا منهم الاستعداد للتوجه إلى الطائرة المتوجهة للكويت ، ولم يطل الوقت حتى وجدت شروق نفسها مع أسرتها في مطار الكويت، و لم يستطع أعضاء الأسرة السيطرة على مشاعرهم المتعددة فراحوا يعبرون عن انبهارهم بانسيابية الحركة وانتظامها،و كلمات الترحيب من بعض الموظفين بالمطار ، إلا أن شروق راحت تتمعن في لافتة مكتوب عليها خاص بالمواطنين وأخرى خاص بالوافدين ، ولأن قلبها على صغره يتسع لهذا العالم بأسره ، لم تكن تعرف الفرق بين معنى اللافتتين، فقد عاشت سنواتها الست في مصر تسمع كلمة مواطن دونما وصف لها أوذكر كلمة مصري بعدها فترسخ في ذهنها أن كلمة مواطن قاصرة على الكويتي فقط ذلك الذي يرتدي الدشداشة البيضاء ناصعة البياض وهي تنسدل دون تعاريج وقد أطل من جيبها العلوي قلم جميل وإن لم يكن صاحبه يحتاج إليه وخلفه نقود ورقية  وعلى رأسه غطرة تتوجه في حين يطل نعاله الجديد كأنما لا يمشي به صاحبه على الأرض ، بينما الجلابية المصرية لا يجمعها شكل محدد أو طراز متعارف ولا يوحد بينها لون ، بالإضافة إلى كثرة التعاريج فيها وربما الخروق لتعاقب الزمن ، أو لمشقة حياة أهلها، أما النعال فربما اختفت معالمه.
وقد عادت إلى الواقع على تنبيه أمها لها بأن تستعد للخروج مع إخويها خارج المطار وبعد مضي عام بالكويت ، وفي مشهد متكرر تصل الأسرة إلى مطار القاهرة و يسلم الأب نفسه لدوامة إنهاء إجراءات الدخول بينما يدور حوار هامس أحيانا وصاخب في وقت آخر عن المقصود بكلمة مواطن بين الأبناء تحاول الأم ألا يسمعه الواقفون ظنا منها أن لديهم رفاهية متابعة حديث أبنائها ، و إذا بالأب يطلب منهم التحرك معه للخروج فتشير شروق بإصبعها إلى بعض أصحاب الدشاديش البيضاء أثناء خروجهم من المطار بسلاسة وانسيابية تشبه جريان الماء على الأرض الممهدة وهي تصيح مواطن مواطن ، فينظر أبوها نحو إصبعها فلا يرى إلا الوافدين الخليجيين ، فيرد.عليها مصححا : حبيبتي أنا هنا المواطن وهؤلاء وافدون ، فترد عليه قائلة غير صحيح ، أنت لا تلبس الدشداشة البيضاء

صبرى مقلد

تعليقات