(((((( الفاروق على لسان جدّي اليافي. ))))))




الشاعر / ميلاد فلسطين  / يكتب 
⭐⭐⭐
الفاروق على لسان جدّي اليافي 
الفصل الثاني 
تبددت ظلمات الليل ، وبزغ ضياء الفجر من جديد موعد انطلاق رحلتهم فلقد علت الابتسامات
العذبة وجوهم وهم يتفقدون الزاد والزواد
وقاموا بتحزيم أمتعتهم وحملوها إلى قارعة الطريق على أمل
وصول الحافلة قريباً التي أطلت بعد قليل مسرعة تعكس مراياها 
في عيونهم بلورات متلألئة كانت قد نسجتها خيوط شمس الصباح الذهبية
توقفت عجلاتها أمامهم تقلّهم واندفع محرك السيارة يهدر من جديد صوب 
مرفأ غزة ومرسى سفنه ، توقفت السيارة بمحاذاة المرفأ وهرول الأبناء
نحو شاطئ البحر يدوسون رماله الناعمة وصدفاته المكومة كانت
قد قذفتها صخور البحر العميقة على الشاطئ تقافزوا خلف الأمواج تارة وتقهقروا 
إلى الوراء هرباً منها تارة أخرى ، مشاهد البحر الواسع أمامهم آسرة أخاذة تراءت أمام أعينهم
مشاهدٌ الصيادين وهم يجرون مراكبهم نحو صفحات الماء وحناجرهم تصدح بالأغاني البحريةوأخرون عائدون من البحر بعد رحلة شاقة مع العواصف والرياح الشديدة وأخرون يرتقون شباك الصيد
يغزلونها بأصابعهم الماهرة الملفوفة بالحرير ، لا تبرح نسمات 
الهواء الباردة والمنعشة تفارقهم ، تلاطف وجوههم حيناً
وتلاعب خصلات شعرهم حيناً آخرتنعش أرواحهم وتغمرهم بالسعادة . 
عمر: ما أجمل البحر ! تتجلى فيه عظمة الخالق وبديع صنعه .
عبيدة : سخر الله لنا البحر فيه منافع للناس وفوائد عظيمة لا نحصيها
وأجال ببصره نحو المرسى وصاح أراني أشاهد أبا مصطفى
على متن مركبه يلوح بالكوفية الفلسطينية ويتجه نحونا .
أبو عبيدة : نعم يا أبتي ، يتجه الآن نحو حافة المرسى ليتسنى
لنا الركوب على متنه . 
أبو مصطفى : ألقى عليهم بالتحية والبسمة ترتسم على محياه . 
أبو عبيدة : هشّ في وجه رفيقه ورد التحية بأعظم منها . 
أبو مصطفى : أين الإبحار صاحب البحر وعاشق الشواطئ ؟ 
أبو عبيدة : صوب الشمال رفيق الدرب .
أبو مصطفى : لك ذلك ، وأدار دفة المركب صوب الشمال .
وانطلق بهم المركب ببطئ يتخطى الأمواج يتمايل ويتراقص مع كل موجة 
وكانت معها قلوبهم تتمايل وتتراقص طرباً كفراشات الحقول الجذلى
تصطدم الأمواج بمركبهم وتتشظى بعض شذرات الماء المتطايرة في صفحات وجوههم .
خالد : الك مغزى في الإبحار صوب الشمال يا جدي ؟
أبو مصطفى : نعم يا أحبابي ، وهل أجد سوى الشمال تسرية لروحي وكعبة لقلبي
وتطوافاً لشوقي وحنيني ،وأخذ يجيل النظر صوب الشمال وأرخى لنفسه العنان 
تسرح في شواطئ يافا الجميلة ومرفأ حيفا الساحر وتتقافز في سهول مرج ابن عامر
وتتسلق جبال الكرمل وشواهق جبل الشيخ ، وتنهل من مياه طبريا العذبة
تروي ظمأالسنين الطوال وتمتم بصوت خفيت والله إني لأشتم عبق الأرض 
وشذاها الفواح تهب من جهةالشمال وتتضوع مسكاً من بين بساتينها وعناقيد كرومها
وزهور أعشابها وأغصان أشجارها ، وأسمع شدو البلابل حزيناً
تردده الأطيار في فضاء الوطن لحناً شجياً 
خالد : حديثك ماتع يا جدي ، ولكن أنّى يكون ذلك ونحن بعيدون عنها ؟ 
الجد : آه يا أحبابي ! من قال نحن بعيدون عنها ؟ 
يافا تسكنني فإن رحلت أجسادنا يافا فإن أرواحنا لا زالت معلقة هناك لم ترحل
وجذورها تمتد في أعماق شراييني ومنذ ذلك اليوم الذي عصف بالأرض
لم تكد أعيننا تذوق غماضاً قط في ليل او نهار إلا وقَضّ مضاجعها
ألمٌ واخز ووجع فضيع لا تحتمله قلوبنا وقد باتت أرواحنا أسيرة عاشقةللأرض مكبلة بالشوق والحنين . 
عبيدة : ما أعظم اشتياقك لأرض الوطن يا أبتي .
أبو عبيدة :ينبس بكلمات قلائل خرجت من أعماق جوفه تلجلج عندها لسانه وانسالت حينها الدموع من محاجر عينيه
آه يا ولدي ! من غير صدر الأم وابتسامتها تستطيع أن تمسح دموع طفلٍ تائه
بين الزحام تدوسه الأقدام ؟ 
ربوع الوطن هي الأم يا ولدي ونحن أطفالها التائهون المشردون .
أبو مصطفى : لا تنسوا يا أحبابي أن صوت جدكم الحالم والشجي
فيه بقية من ذكريات طفولته الجميلة ونصل من صورةٍ لتلك الأيام التي عاشها في حضن
حي العجمي ومسجد حسن بيك ومعالم يافا العريقة ، خيّم على مركبهم صمت رهيب 
لا يسمع سوى هدير البحر وصوت النحيب .
خالد : لقد هجمت الأحزان على مركبنا كأنها طيور جارحة قد عثرت على فريستها .
أبو مصطفى : اتركوا الجد يا أحبابي يعيش ذكرياته وهو في مسيس الحاجة إليها يقلب
تلك الأيام وينبش ماضيه علّها تطفئ لهيب شوقه وبحر حنانه وتضمد بعضاً من جراحه
وصدح أبو مصطفى بأغنية يعشقها رفيقه ،
هدي يا بحر هدي ... وطول ما في غيبتنا .
ودي سلامي ودي ... للأرض يلي ربتنا .
انتهت الأغنية وتبددت عندها الأحزان وانبعث الأمل في النفوس من جديد .
عبيدة : أطن يا أبتي أنّ الوقت حان لنكمل سيرة الفاروق عمر العطرة _ رضي الله عنه_ 
الجد : نعم يا أحبابي ، لم أعشق في رجالات التاريخ رجلاً كعمر 
فاتح فلسطين وتسلم مفاتيح بيت المقدس بيده الشريفة 
ولم نجد في كتب التاريخ أعظم فراسة من أبي بكر عندما استخلف الفاروق من بعده خليفةً للمسلمين
وكان يرى في شخصية الفاروق أمة بأكملها 
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لقد كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلموا من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي فعمر"
صدقت يا رسول الله فإن الحق يجري على لسان عمر الذي لا يعرف الباطل أبداً .
يتبع.........
بقلم : ميلاد فلسطين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))