((((( المكتوب. ))))



الشاعرة / محرزية القريتلي قدور  / تكتب 
⭐⭐⭐
المكتوب

كبرت البنية و أصبحت  فتاة يافعة .
 أحسّت بتغييرات جديدة في جسدها . وقفت أمام مرآتها تكتشفها . وجدت قواما فاتنا ساحرا ، تصرخ فيه أنوثة جميلة مغرية جذابة . 
و ثابرت منذ ذلك الحين على مجالسة مرآتها مرّات و مرّات لتنظر و تتمعن في هذا الحسن و تتفنّن في ابراز بهائه و مفاتنه.
و تبدأ مرحلة الاغراء ، اغراء كل الفتيان ، الأقربون منهم و الأغراب ، تغيضهم بهذه الأنوثة الجميلة الصارخة و هذا القوام الحسن و هذا الشعر الحريري الناعم...
و تتفطن في يوم من الأيام وهي تنظر الى جسدها في المرآة و تتأمل فيه عضوا عضوا أن أصابعها جميلة رقيقة و أنه لو زان أحدها خاتم ستكون يدها أكثر روعة و فتنة . أجل خاتم جميل ، خاتم وحيد في من نوعه له رمزية هامة و له اسم خاص : - خاتم الخطوبة -
و تبدأ مرحلة الأحلام، أحلام بفارس كفء يأتيها بهذا الخاتم السحري الذي سيحقق لها السعادة و الهناء : العشق و الغرام و الدلال و... الأمومة ؟ و لما لا سيكون لها طفل أو أكثر و ستسميهم بأحلى الأسماء و س.. و س...
و تبدأ مرحلة الانتظار ، انتظار فارس الأحلام ، هذا الفارس الذي سيحلّي اصبعها بخاتم الخطوبة. و حتى لا تشعر بمرور الأيام و الشهور أخذت تشغل نفسها باعداد " الجهاز" : خياطة و حياكة و تطريز و اختيار و شراء في الأسواق عّما قّلّ و حسن ، 
و في كل ذهاب و ايّاب تعرّج على دكاكين الصاغة لتملأ ناظريها ببهجة ذلك الخاتم المنتظر و لسان حالها يقول : " أيّها الخاتم الجميل، يا أيّها الأمل المنشود.. ترى متى ستحلّي اصبعي ؟؟ "
و يتهيّا لها أنّ الخاتم يجيبها : " انني أنتظر الاشارة من سيّدي فهو من سيدفع ثمني.. الا أنّه مشغول بالوظيفة التي تسلّمها حديثا أو المشروع الذي أحدثه أو حرفة  أو صنعة ..لم يتمكّن منها بعد ..."
و تنتظر.. و تشغل نفسها بأمور كثيرة حتى لا تشعر بوطأة الانتظار . و تروح و تجيئ حتى تتعب قدماها ، فتعرّج على الخاتم تسأله من جديد : " أيّها الخاتم متى ستحلّي اصبعي ؟ " و يأتي ردّه : " مازلت أنتظر سيّدي ، فهو مشغول ببناء عشّ الزوجية .."
و يطول الانتظار، و يتملّكها الملل و تقرّر البحث عن هذا السيّد البطيئ . لعلّه ان رآها سيفتتن بجمالها فيسرع في طلب يدها.
فتحظر الأعراس و الحفلات و المهرجنات  ..متجمّلة ، متزيّنة ، متبرّجة...
ربما كان فارس أحلامها من رواد التظاهرات.
و تكثر من الغدوّ و الرواح في أسواق المدينة ، متعلّلة بشراء بعض الحاجيات...، ربما كان فارسها من جلاّس المقاهي فيراها و ينتبه لوجودها.
و تستقيم و  تتفانى في عملها ، ألا يمكن أن يكون فتاها أحد الزملاء ؟؟
و تلبس آخر صيحات الموضى و تظهر التمدّن في كل حركة من حركاتها، و تطعّم لغتها بألفاظ أجنبية ، لعلّ حبيبها المنتظر من المولعين بالمدنية و الانفتاح..
و تنطوي على نفسها و و تختار العزلة و الوحدة . فهي تارة وحيدة باحدى الحدائق أو على ضفاف شاطئ تارة أخرى. ربما كان فارسها رومانسيا و من عشّاق الطبيعة الحالمة.
و تبدي حشمة و تحفضا زائدين، و تلبس الجلباب و الحجاب و تكثر من الأحاديث عن الفقه و السيرة النبوية وتواضب على ارتياد الجوامع و المساجد لقراءة القرآن و متابعة الدروس الدينية ( و الله عليم بخفايا الصدور )، ربما كان فارسها سلفي صالح...
دون جدوى . الخاتم باق في مكانه في أحد دكاكين الصاغة بالمدينة.. فتصرخ : "  أيّها الخاتم اللعين ؟؟ ألا تأتي ؟؟ الوقت يمرّ بسرعة .. و شبابي النضر حتما سيذبل .. " 
و كأنّ بالخاتم يجيبها  ساخرا : "  سيّدي أعجبته سهرات الفنادق السياحية و أغوته السائحات الفاتنات فانغمس في اللهو و المجون لا يلوي على شيئ .."
وقفت أمام الخاتم لآخر مرّة وهي تقول : " وداعا أيّها الخاتم، وداعا أيتها الأحلام ..."
و كانت كلما خلت بنفسها تساءلت : " هل أخطأت عندما آمنت باستمرارية الحياة؟ 
هل أخطأت عندما حافظت على التقاليد و احترمت قوانين و أعراف المجتمع؟
هل أخطأت عندما سبحت في أحلام سنّتها الطبيعة؟؟
و تفيق.. تفيق من أوهامها لترى الدنيا بمنظار جديد .. منظار أبرز لها نعما أخرى لم تنتبه اليها سابقا : عمل مفيد، نشاط  سياسي أو جمعياتي ( ثقافي ، خيري ,,,) ، رحلات و اكتشافات ، تضامن و تآزر ، تبادل مثمر ، صداقة و مودّة ...
و قرّرت أن  تعيش حياتها بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، أن تصنع عالمها و مصيرها ، حاضرها و مستقبلها ، معتمدة على نفسها و على قدراتها ، نزيهة ، عفيفة ، كفأة و مسؤولة .، صائنة كرامتها و محافظة على أصالتها و مبادئها .

محرزية القريتلي قدّور

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت

((((( قلت لأحلامي تعالي فتعالت. ))))