(((( لابد من الراحة. ))))




الشاعر / محمد العليمي  / يكتب
*****
لابد من الراحة بين إستقبال حالة وأخرى وإلا فسيتحول هو الآخر إلى (حالة) في عيادة طبيب زميل ..
بعضاً من الموسيقى الهادئة ولفافة تبغ ثم يستكمل عمله ..
" تفضل بالدخول "
يطالع الاستمارة الخاصة بالحالة .. 
ذكر في الخامسة والثلاثون من عمره .. موظف في أحد البنوك ..
" مساء الخير .. أسمي (....) .. متزوج منذ خمس سنوات ولم أنجب بعد .. هل لي أن أشعل سيجارة ؟ "
سمح له بذلك برغم من أنه لا يطيق رائحة الدخان المنبعث من سجائر الآخرين .. 
" هناك مقولة تقول (من الحب ما قتل) والأسوأ أن يكون هذا القتل خنقاً .. أتحدث عن الحب عندما يتحول إلى رباطة عنق (كرافاتة) .. في البداية تبدو للآخرين كأنها تضيف جمالاً وسحراً إليك ثم تبدأ في إعتصار عنقك ليصبح التنفس معها عسيراً ويصبح أول من يساعدك على تخفيف إحكامها على روحك هو بمثابة مسيحك المُخلّص "
شعر الطبيب بأنه هناك وغداً ما قد أشاع أن عيادته خاصة بالإستشارات الزوجية فقط لا العلاج النفسي .. تلك هي الحالة الثانية التي تتعلق بالزواج والحب وما يتعلق بهما ولكن ما باليد حيلة .. فليستمع إليه .
" أنا متزوج نتيجة قصة حب تبدو للوهلة الأولى وكأنها مقتبسة من الأفلام .. ابنة صديقة والدتي التي تربينا سوياً وأحببنا بعضنا البعض منذ الطفولة إلى أن تكلل هذا الحب بالخطبة والزواج .. لم أعشق سواها بل لم أرَ سواها وهي نفس الشيء .. احبها عشقاً وهي تعشقني حباً .. زوجان بمعنى الكلمة .. كائنان متلاصقان من الإستيقاظ إلى النوم .. في كل شيء وفي كل قرار وفي كل خطوة هي معي .. 
كان ذلك رائعاً حتى وقت قريب وسرعان ما تحولت ملازمتها لي إلى أمومة لطفل قاصر تخشى عليه أمه من (الناس اللي برا دول) وترى أن أكثر الأماكن أمناً هي بين ذراعيها .. 
لماذا تريد قضاء الوقت مع أصدقائك ؟ أنا أحق ..
لماذا تحتاج إلى أصدقاء أصلاً ؟ أنا متواجدة ..
في كل مرة كان المبرر حاضراً .. هي تعشقك وتعشق وجودك بجوارها وتتدخل في تفاصيل حياتك لأنك أبنها الذي لم تنجبه وخاصة حينما تعسر الإنجاب .
مع مرور الوقت وجدت نفسي مُحاطاً بفقاعة معزولاً عن العالم الخارجي ..
أجلس داخل الفقاعة في العمل .. أقف داخل الفقاعة في المتاجر .. أستقل المواصلات وأنا داخلها أيضاً .. فقاعة تمنع دخول أحد إلى حياتي وتمنعني من التواصل مع الآخر .. 
إلى أن أتى من صنع ثقباً بها إزداد إتساعاً مع مرور الوقت ليصبح صالحاً بأن أخرج منها إلى عالم آخر .
تلك الشقراء الحسناء الرشيقة القوام الآتية من عالم الفراشات .. ألقتها مشكلة ما تعاني منها في حسابها البنكي أمام مكتبي ..
هل أخبرتك عن تلك النبرة المثيرة في صوتها التي تجعلك تتمنى لو هناك إذاعة ما تذيع صوتها فقط ؟ هل أخبرتك عن أصابع يدها التي نُحتت من العاج ؟ 
بدت لي وكأنها تلك الجميلة التي يتحدث عنها (نزار) دوماً في قصائده .
كان يبدو أن باقي موظفي البنك المتكاسلين – لابد أنهم ضعفاء النظر أيضاً - لم يفيدوها بشيء فوَجدت في هيئتي ما يوحي بإمكانية مساعدتي لها .. وهذا ما حدث بالفعل ..
كانت عبارات الشكر والثناء تنهال عليّ منها ثم أخذت كارتي الشخصي وغادرت إلى أبيات الشِعر التي خرجت منها .
كل هذا كان أمراً طبيعياً .. عميلة كغيرها .. إلى أن وجدت في اليوم التالي رقماً يطرق باب هاتفي .. 
أجبت .. تفتّحت أبواب أذُني على ذلك الصوت المثير .. يا الله .. 
أستكملت ترانيم عرفانها لي وأخبرتني بأمنيتها في أن ألبّي رغبتها في مقابلتي في أقرب وقت ممكن ..
وجدت نفسي أوافق .. إنني لم أستطع المقاومة لو شئت الصدق .. أو لنقل أنني لم أرغب في المقاومة .. كنت أتحرك إليها بلا إرادة .
بالطبع كان اللقاء في مواعيد العمل بعدما تقدمت بطلب إذن إنصراف حتى لا أثير قلق زوجتي التي تتعقب خطواتي دوماً ..
دلفت إلى ذلك (الكافيه) لألمحها بنفس سرعة لمحك لدرة وسط قلادة ..
كانت جالسة تُمسك بتلك السيجارة الرفيعة وتمتص منها دخانها ذو الرائحة الذكية في رقة لم أرها من قبل .. ومن قال أنني قد رأيت رقة من قبل أساساً ؟
أشرق المكان بإبتسامتها لي وترحيبها بي ثم بدأت حديثها معي ..
ما الهدف من جلوسي معها ؟ لا أعلم ولم أدّعِ رغبتي في معرفة السبب ، فقط رميت مجداف مركبي وتركت أمواج بحرها تسير بي إلى حيثما شائت ..
مطلّقة هي .. تحيا بمفردها .. تحاول أن تعوّض ما ضاع من سنين عمرها - على حد قولها - خلال زواجها الذي أنتهى منذ أشهر .. 
أختصتني بتفاصيل حساسة جداً لم أعتد أن أسمعها من أي أنثى في لقائي الأول بها برغم أنني لم ألتقِ بأي أنثى من قبل خارج مقرعملي .
كانت جريئة .. وإن كان حديثها الجرئ يخرج منها وكأنه طبيعي .. تلك امرأة أعتادت الجرأة كطبيعة شخصية .. "
قاطعه الطبيب سائلاً إياه :
" هل تظن أن ذلك الثقب في فقاعتك - التي تقول أن زوجتك أحاطتك بها - قد صنعته تلك المرأة عمداً أم كان الأمر صدفة ؟ "
صمت (الحالة) للحظة ثم أجابه :
" سألت نفسي هذا السؤال كثيراً .. هل رأت فقاعتي فتعمدت خرقها مثلما يفعل كل طفل مشاكس أم أنه كان مُقدّراً أن تأتيني لتعطي لحياتي ملامح أخرى ولون آخر ؟ ثم أدركت في النهاية أنه لا فائدة من تلك النوعية من الأسئلة الشبيهة بالأسئلة الوجودية .. فسؤالك عن كيف بدأ الخلق لا يمنع حقيقة أنه قد بدأ بالفعل .. "
تنهد الطبيب وطلب منه إستكمال الحديث ..
" بدء عهدٌ من اللقاءات بعد العمل والمحادثات الكتابية أثناء وجودي بالمنزل والمكالمات الصوتية التي أكون طرفاً مستمعاً فيها فقط وبالتالي بدء مع ذلك العهد محاولاتي للتحرر من القبضة الأمنية التي فرضتها علي زوجتي ..
أدخلتني عوالم لم أرتدها من قبل .. مغامرات أسطورية يخوضها من ظن أن العالم عبارة عن نوم وعمل فقط .. كنت مسحوراً أستمتع بذلك الإنجذاب لها وتستمتع هي الأخرى بذلك التمثال الذي نفخت فيه الروح ..
صرت متعلقاً بها بشدة .. بل صرت لا أستطيع الإبتعاد عنها .."
- " هل كلمة (تَعَلّق) هي الكلمة الأدق لوصف مشاعرك تجاهها أم أن كلمة (حب) هي الأدق ؟ "
- " كانت إجابة هذا السؤال هي الفيصل حينما ظننت أن الإنفصال عن زوجتي هو الخطوة الصحيحة حينما قررت الزواج بالأخرى .. لا تتعجب .. فإن ظننت أنني مولع بالعلاقات الغير مشروعة فأنت مخطيء .. المسألة وما فيها أنني أحب زوجتي .. فهي من كوّنت أوردة قلبي على يدها .. ظلت بجواري في ضعفي وفي قوتي .. في نجاحي وفي فشلي .. هي لوحة (بازل) متكاملة .. فقط كان ينقصها قطعة ضاعت لسببٍ ما والأخرى كانت هي تلك القطعة المفقودة "
- " لا أظن أن تلك التغيرات التي أصابت روتينية حياتك قد مرت بسلام وخصوصاً أننا نتحدث هنا عن طرف جديد أصبح له متسع من وقتك "
أبتسم (الحالة) وقال :
- " بالطبع .. ومثلما يحدث في كل الثورات السياسية .. الإستنكار والغضب ثم الصدام .. تنتقد كسري لروتين حياتي فأطالبها بأن تُرخي سيطرتها عليّ .. إلى أن وصل الأمر لتركها المنزل وهو ما ظنت أنه عقاب لي بينما كانت أفضل فرصة للتمتع بتلك الجنة التي دخلتها .. تلك الجنة التي أكتفي فقط بأن أتمنى ما أشتهيه فأجده أمامي "
- " كم مرَّ على ترك زوجتك الأولى للمنزل ؟ "
- " ثلاثة أشهر .. تطلب في كل يوم الطلاق وأنا أرفض بالطبع .. "
قال الطبيب وهو يعبث في دفتره :
- " وبالطبع تريد مني أن أدلك على الطريق الأصوب لحل مشكلتك تلك ؟ "
قال (الحالة) :
" أعلم أن مشكلتي ليست نفسية في المقام الأول ولكنني في حيرة من أمري .. أشعر بالتخبط بالفعل .. لا أتمكن من إتخاذ قرار ..
كل هذا حدث عندما قررت أن أمنح نصف حياتي لأخرى بشكل خفي فماذا لو علمت زوجتي برغبتي في الزواج بغيرها ؟ نعم .. سأفقدها للأبد بالتأكيد .. لن تقبل أن تصبح رقماً بجوار رقمٍ آخر لمجرد أن مجموعه يساوي سعادتي ، ولكن لماذا عليها أن تعترض وهي متسببة فيما وصلتُ إليه ؟ هي من شيدت الحصون حولي منذ البداية .. "
أشعل الطبيب سيجارته وقال :
- " إنني لن أتحدث عن أحقيتك في أن تتزوج أو تحب أخرى .. بل سأتحدث عن شيء محدد ..
الذرائع ..
لقد خُلقت الذرائع لنمنح أنفسنا أسباباً تُريح ضمائرنا تجاه ما نقترفه ونشك في مدى صحته ..
هناك من أقتحم حصونك وأنت سمحت بدخوله وحجتك هي أنك لم تستطع مقاومته ونسيت - أو تناسيت - أن هناك من ترعاه خلف أسوارك ولم تستعن به في الدفاع عن مدينتك .. والآن تريد أن تظل على العرش مَلِكاً لشعبٍ تراه سبباً في الإحتلال وأن تظل في نفس الوقت مِلكاً - بكسر الميم - لخصمه في نفس الوقت .. 
السؤال هو .. هل لو كانت الأدوار معكوسة لتفهمت إستسلام زوجتك لآخر منحها ما لم تمنحه لها ؟ هل ستحترم ذرائعها إذا ما واجهتك بالحقيقة ؟ أظن أن الإجابة معروفة ولكنني سأمنحك وقتاً في التفكير ولتمنحني إجابة في الجلسة القادمة "

محمد العليمي ،،،،

#حكايات_رجالة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

((((( غدر الاقارب. ))))

(((( أبت الحقارةُ أن تفارِقَ أهلها. ))))

يا من تراقبني بصمت